وما لبث أن احتمى في ظل هذه القلعة بعض من القبائل، وبها أصبحت مدينة، وجدها بنو آرام نعم المركز لتجارتهم- وبلدًا وسطًا بين أمم آسيا الوسطى وسواحل البحر المتوسط، ثم تقدمت في غضون ذلك أمة جديدة منحدرة من شمالي البلاد من جبال القفقار، تعرف (بالأمة الحثية) فاتجهت في جهات الأناضول وفي شمالي سورية وغربي جنوبي الفرات، فلم تزل تقوى وتشتد أركانها إلى أن غلبت العنصر الآرامي، واستولت على مدنه الممصرة ككرميش وحماة، واتخذت مدينة قدس على شاطئ بحيرة حمص حاضرتها الدينية، وهي المدينة التي قامت فوقها بعد مرور الزمان أطلال تل النبي مندو، فمصرها الحثيون وحصنوها وسكنوها بأمان نحو مئتي سنة، بيد أن الفتوحات البابلية والآشورية وجدت الحثيين في طريقها إلى سورية الساحلية وإلى مصر، فدارت بينهم الحروب الطويلة فكانت سجالًا لهم؛ وحيفًا عليهم.
وأفادت هذه المعلومات أن الحثيين في بنائهم وهندستهم؛ وفنونهم الصناعية كالنحت والرسم والتصوير، مما يشهد لهم بالتقدم وابتكار الأعمال على طراز خاص بهم، ولا ريب أن المدن الخاضعة لحكم الحثيين كانت قد ألّهت قوى الطبيعة كالأنواء والرعد والسحاب، فأضافوا إليها شيئًا من الديانات التي وجدوها عند الأمم القريبة منهم؛ كعبادة الشمس والقمر -والبعل عشتروت ولآلهة مصر. وقد وجدت من كل هذه المعبودات آثار شتى في حمص ونواحيها.