وأما ما ذكره القرطبي في تفسيره من تعليل لعدم عدِّ تلك النكرات مبتدأ، فمشكل على ظاهره، إذ كيف يرون أنها: (لا تكون مبتدأ) مع تقديرهم: فيما يتلى عليك (سورة) وهي نكرة، وكيف يعللون المنع بأنها نكرة مع تقديرهم لخبرها جارًا مقدمًا عليها، وهو مسوغ للابتداء بالنكرة؟! ولهذا إعرابها مبتدأ هو الأصوب في رأيي، واستشكل أبو حيان على وجه الاشتغال جواز الابتداء بالنكرة من غير مسوغ، ومعنى ذلك أنه ما من موضع يجوز (فيه) النصب على الاشتغال إلا ويجوز أن يرفع على الابتداء، وهنا لو رفعت { سورة } بالابتداء لم يجز، إذ لا مسوغ، فلا يقال: (رجلًا ضربته) لامتناع (رجل ضربته) ، ثم أجاب بأنه إن اعتقد حذف وصف جاز، أي: سورة معظمة أو موضحة أنزلناها فيجوز ذلك [1] .
أما قراءة النصب، ففيها من التخريج أوجه هي:
أولا: الأوجه المتفق عليها في تخريج قراءة النصب للسورتين:
أحدها: أنها منصوبة بفعل مقدر غير مفسر بما بعده، وهذا القول ذهب إليه ابن عطية في محرره، إذ قال عند سورة التوبة تقديره: « أي: الزموا براءة، وفيه معنى الإغراء» [2] ، ولنا أن نقدر الفعل بإضمار (اسمعوا براءة) ، وهذا الرأي هو الأرجح لقراءة النصب لما سيأتي ذكره لاحقًا من الردود على الأقوال الأخرى، وأما في سورة النور فالفعل المقدر: (اتل سورة) أو (اقرأ سورة) ، ورأى د. أحمد مختار البرزة أن الفعل المحذوف يفضل أن يقدر بفعل طلبي تقديره (( امتثلوا سورة، مناسبة للأمر في { فاجلدوا } ) ) [3] .
(1) ينظر: البحر المحيط ( 6/427 ) .
(2) المحرر الوجيز ( 3/4 ) ، وينظر: فتح القدير ( 682 ) .
(3) أساليب التوكيد من خلال القرآن الكريم لـ د. أحمد مختار البرزة ( 87 ) .