فإن الإسلام هنا يتناول العمل والاعتقاد معًا، لأن المعتقد ليس بذي دينٍ مرضي وبهذا استدل المزني وأبو محمدٍ البغوي فقال في الكلام على حديث جبريل هذا: جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - الإسلام هنا أسمًا لما ظهر من الأعمال، والإيمان لما بطن من الاعتقاد وليس ذاك لأن الأعمال ليست من الإيمان ولأن التصديق ليس من الإسلام، بل ذاك تفصيلٌ لجملةٍ كلها شيءٌ واحدٌ، وجماعها الدين ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم -: «أتاكم يعلمكم دينكم» [1] ، وقال سبحانه وتعالى: { وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِينًا } [2] ، وقال تعالى: { وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَة مِنَ الْخَاسِرِينَ } [3] ولا يكون الدين في محل الرضا والقبول إلا بانضمام التصديق. انتهى كلامه الذي يظهر من مجموع الأدلة أن لكل منهما حقيقةً شرعيةً، كما أن لكل منهما حقيقةً لغويةً، لكن كل منهما مستلزمٌ للآخر بمعنى التكميل أن العامل لا يكون مسلمًا كاملًا إلا إذا اعتقد فكذلك المعتقد لا يكون مؤمنًا كاملًا إلا إذا عمل ... وقد حكى ذلك الإسماعيلي عن أهل السنة والجماعة قالوا: إنهما تختلف دلالتهما بالاقتران فإن أفرد أحدهما دخل الآخر فيه.
وعلى ذلك يحمل ما حكاه محمد بن عبد البر عن الأكثر أنهم سووا بينهما... وما حكاه الألكائي وابن السمعاني عن أهل السنة أنهم فرقوا بينهما على ما في حديث جبريل والله الموفق )) [4] ، بعد هذا القول يظهر تساوي الكلمتين في المعنى إذا افترقتا، كما قدمت سابقًا، والآن سيتم تناول خطاب الله تعالى للمؤمنين اعتمادًا على ذلك.
طريقة خطاب الله تعالى لعباده المؤمنين
(1) هذا جزء من حديث عمر بن الخطاب عن الإسلام والإيمان والإحسان، وسيأتي تخريجه لاحقًا.
(2) المائدة: 3.
(3) آل عمران: 85.
(4) فتح الباري بشرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني ( 1/114- 115 ) .