الصفحة 202 من 426

لأنهم كانوا أشد على المؤمنين من الكافرين؛ فالمؤمن يتوقى المشرك، ولكنه كان يخالط المنافق لظنه بإيمانه، وهو كان يفشي أسراره [1] ، وخاطبهم الله تعالى بإلحاق (الهاء) بحرف الجرِّ من، في قوله تعالى: { وَإِذْ قَالَت طّآئِفَةٌ مّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لاَ مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُواْ وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مّنْهُمُ النَّبِيَّ } [الأحزاب: 13] وهذا الخطاب يُظْهِرُ ما يخفونه في صدورهم من نواحٍ متعددة: الأول: أن مرادهم الفرار لكنهم عبروا عنه بالرجوع ترويجًا لمقالتهم وإيذانًا بأنه ليس من قبيل الفرار المذموم [2] ، الثاني: أن قولهم: { يَاأَهْلَ يَثْرِبَ } عدلوا به (( عن الاسم- الذي وسمها به النبي - صلى الله عليه وسلم - من المدينة وطيبة مع حسنه- إلى الاسم الذي كانت تدعى به قديمًا مع احتمال قبحه باشتقاقه من الثرب الذي هو اللوم والتعنيف [3] إظهارًا للعدول عن الإسلام ) ) [4] ، الثالث: أنهم أكدوا بنفي الجنس لكثرة مخالفتهم في ذلك فقالوا: { لاَ مُقَامَ لَكُمْ } أي لا إقامة أو لا موضع إقامة في مكان القتال ومقارعة الأبطال { فَارْجِعُواْ } إلى منازلكم هربًا، أو إلى دينكم الأول [5] ، وخاطبهم الله تعالى بإلحاق حرف الجر (عن) بالهاء للدلالة على المجاوزة في قوله تعالى: { فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ } [النساء: 81] ، وقد تقرن هاء الغائب بأداة التوكيد (إن) للدلالة على توكيد أفعالهم، كما في قوله تعالى: { إِنّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ } [التوبة: 84] ، أو (أن) ، كما في قوله تعالى: { أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلّ عَامٍ مّرّةً أَوْ مَرّتَيْنِ } [التوبة: 126] .

(1) ينظر: تفسير الرازي (م14/ج32/85)

(2) ينظر: روح المعاني (م12/ج21/242) .

(3) ينظر: لسان العرب، مادة (ثرب) ، (1/235) ، ومختار الصحاح، مادة (ثرب) ، (35) .

(4) نظم الدرر (6/83) .

(5) ينظر: نفسه، وروح المعاني (م12/ج21/242) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت