ومن العدول في هذه الصيغة ما جاء في قوله تعالى: { فَاتّقُواْ النّارَ الّتِي وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدّتْ لِلْكَافِرِينَ } [البقرة: 24] ، إذ جاء لفظ (النار) منكرًا في قوله تعالى: { يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ قُوَاْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجَارَةُ } [التحريم: 6] ، فرأى أبو حيان أن التعريف في سورة البقرة جاء بعد أن كانت الكلمة نكرةً في سورة التحريم التي نزلت قبل البقرة [1] ، فهو ممن رجح أن سورة التحريم مكية، وقال البقاعي: «وتعريف النار... لأن أخبار القرآن بعد ثبوت أنه منزل من عند الله معلومة مقطوع بها، فهو من باب تنزيل الجاهل منزلة العالم تنبيهًا على أن ما جهله لم يجهله أحد» [2] ، فالآية الأولى كانت لكفار قريشٍ ولمن أنكر رسالة محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - ، لهذا عرَّف الله النار لهم إذ لم يروها حتى ذلك الحين، واستخدم الله في تعريفها الألف واللام، ولكن في سورة التحريم كان خطاب الله تعالى للمؤمنين الذين قد دخل الإيمان بأركانه في قلوبهم فهم يعرفونها، ولهذا صغَّر الله تعالى خطرها عليهم حتى يرى الآخرون هذه الحقيقة فيتقوا النار كما اتقاها المؤمنون بإيمانهم.
ب- العدول عن صيغ الإفراد إلى التثنية أو الجمع، والعكس:
العدول عن صيغةٍ من الصيغ العددية إلى أخرى يعدُّ انحرافًا في الأسلوب، أو عدولًا عما كان يتوقعه المخاطب، إلى شيءٍ آخرٍ لم يتوقعه لأغراضٍ فنيةٍ، وهذا العدول سأتناوله
من ثلاثة أوجهٍ هي:
(1) ينظر: البحر المحيط ( 8/292 ) .
(2) نظم الدرر ( 1/70 ) .