الصفحة 326 من 426

وفي هذا الجزء سأبحث مغايرة صيغ الأفعال بين الماضي والحال والاستقبال، تلك المغايرة التي من شأنها أن تحدث نوعًا من الترابط النصي عن طريق المقابلة بين صيغتين مختلفتين، وقد ظهر العدول عن صيغةٍ إلى صيغةٍ أخرى من الأفعال في قوله تعالى: { فَفَرِيقًا كَذّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ } [البقرة: 87] ، إذ كان المتوقع من الخطاب أن يقال الفعل بـ (قتلتم) ؛ لأن الفعل السابق له فعل ماضٍ، ولكنْ عُدِل في السياق عن ذلك إلى المضارع لاستحضار الحالة الفظيعة وهي حالة قتلهم رسلهم؛ إما بسبب الفاصلة القرآنية [1] ، أو بسبب أنهم ما زالوا يريدون قتل الرسل [2] بدليل محاولتهم قتل النبي - صلى الله عليه وسلم - بالسم تارةً، وبإلقاء الحجارة عليه من مكانٍ عالٍ تارةً أخرى، ومن هذا العدول قوله تعالى: { إِن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُواْ لَكُمْ أَعْدَآءً وَيَبْسُطُوَاْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسّوَءِ وَوَدّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ } [الممتحنة: 2] ، فأغلب الأفعال وردت في جواب الشرط بصيغة المضارع، وكان المتوقع من الكلام أن يأتي الفعل (ودوا) بالصيغة نفسها فيقال: ويودوا لو تكفرون، ولكن جاء الفعل ماضيًا ليدل على أنهم ودوا قبل كل شيءٍ كفركم وارتدادكم، بمعنى أنهم (( يريدون أن يلحقوا بكم مضار الدنيا والدين جميعًا: من قتل الأنفس وتمزيق الأعراض،وردكم كفارًا. وردكم كفارًا أسبق المضار عندهم وأولها، لعلمهم أن الدين أعز عليكم من أرواحكم ) ) [3] .

ومن العدول هنا العدول بين صيغ الأفعال نفسها، كما في ما يأتي:

(1) ينظر: التحرير والتنوير (م1/ج1/598) .

(2) ينظر: البحر المحيط ( 1/301 ) .

(3) الكشاف ( 4/512 ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت