أ- العدول من (فَعَّل) إلى (أَفْعَل) : وهذه الصيغة وردت في قوله تعالى: { نَزّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقّ مُصَدّقًا لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ } [آل عمران: 3] ، ولعلّ السبب في ذلك أن الله تعالى (نَزّلَ) القرآن منجمًا في خمسٍ وعشرين سنةً، في حين (أَنْزَلَ) التوراة والإنجيل نزلةً واحدةً دون تفريقٍ، وهو قول الزمخشري [1] ، ولكن ابن عاشور عارض هذا الرأي في تفسيره فقال بأن: «التضعيف يؤذن بقوة الفعل في كيفيته أو كمّيته... إلاّ أن يقال: إنّ العدول عن التعدية بالهمز، إلى التعدية بالتضعيف، لقصد ما عُهد في التضعيف من تَقوية معنى الفعل، فيكون قوله: { نَزّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ } أهمّ من قوله: { وَأَنْزَلَ التّوْرَاةَ } للدلالة على عظم شأن نزول القرآن» [2] ، وأما رأي الزمخشري فهو مردود [3] ؛ لأن الله تعالى قال في خطاب العهد المكي: { وَقَالَ الّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاَ نُزّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً } [الفرقان: 32 ] فجمع بين التضعيف وقوله: { جُمْلَةً وَاحِدَةً } . ومما يردُّ به على الزمخشري أيضًا أنّ التوراة والإنجيل نزلا مفرّقَين كشأن كلّ ما ينزل على الرسل في مدة الرسالة [4] ، وهو الحق: إذ لا يعرف أنّ كتابًا نزل على رسول دفعة واحدة [5] .
ومن العدول أيضًا، قوله تعالى: { فَلَمّا نَبّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ } [التحريم: 3] ، وما قيل في الشاهد السابق يمكن قوله هنا.
(1) ينظر: نفسه (1/364) .
(2) التحرير والتنوير (م3/ج3/147-148) .
(3) ينظر: البحر المحيط (2/378) .
(4) ينظر: التحرير والتنوير (م3/ج3/148) .
(5) ينظر: نفسه.