الصفحة 329 من 426

والغرض من هذا أن الصيغة الفعلية تدل على التجدد والتغير، في حين تدل صيغة الاسم على الثبات والدوام، فلهذا إن أراد الله تعالى الإخبار عما هو متجددٍ بما هو ثابت عدل عن الفعل إلى الاسم، وإن أراد العكس فعل بتغيير الصيغة، نوعًا من التلوين في خطابه لعباده، وهذا النوع من العدول وقع في آياتٍ من الخطاب المدني بألوانٍ متعددةٍ، كما في مثل ما يأتي:

أ - العدول من المصدر إلى الفعل المضارع: وهذا العدول جاء في قوله تعالى: { وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } [البقرة: 62] ، فالخوف منفي على الدوام منهم، ولكن الحزن منفي عنهم على التجدد، لأن من استقر أجره عند ربه لا يلحقه حزن على ما مضى، ولا خوف على ما يستقبل [1] ، فـ (( المعنى لا خوف عليهم من الضلال في الدنيا، ولا حزن من الشقاوة في العقبى، وقدم انتفاء الخوف؛ لأن انتفاء الخوف فيما هو آتٍ أكثر من انتفاء الحزن على ما فات. ولهذا صدر بالنكرة التي هي أدخل في النفي... والمراد بيان دوام الانتفاء لا بيان انتفاء الدوام كما يتوهم من كون الخبر في الجملة الثانية مضارعًا لما تقرر في محله أن النفي وإن دخل على نفس المضارع يفيد الدوام والاستمرار بحسب المقام، وذكر بعض الناس أن العدول عن لا خوف لهم أو عندهم إلى لا خوف عليهم للإشارة إلى أنهم قد بلغت حالهم إلى حيث لا ينبغي أن يخاف أحد عليهم ) ) [2] .

(1) ينظر: البحر المحيط ( 1/242 ) .

(2) روح المعاني ( م1/ج1/380-381 ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت