... بناءً على ذلك وجدنا التركيب في خطاب العهد المدني يتّسم بحرية اللغة؛ فيخالف القيود التي وضعها النحاة لأغراضٍ بيانيةٍ، يصل إليها دون تضحيةٍ بوضوح المعنى، ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: { يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا } [البقرة: 269] ، إذ المعروف في الفعل (آتى) أن الآخذ هو المفعول الأول وأن المأخوذ هو المفعول الثاني، وبهذا يكون الأصل في التركيب أن يقال: (( يؤتي من يشاء الحكمة ) ) [1] ، بدليل أن الخطاب التزم ذلك في الشق الثاني من الآية فقال تعالى: { وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا } ، فقدم المفعول الأول الذي تحول إلى نائب عن الفاعل مستتر، للدلالة على أنه الآخذ، وسبب التقديم في خطاب العهد المدني الاهتمام بالمفعول الثاني لأنه أعظم [2] ، كما أن التركيب الأول سيقع فيه لبس في معنى (يؤتي من يشاء الحكمة) لأن الحكمة قد تُعْرَبُ مفعولًا به للفعل (يَشَآءُ) فلا نجد هناك مفعولًا ثانيًا للفعل (يُؤتِي) ، ومنه قوله تعالى: { إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى إِنّي مُتَوَفّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيّ } [آل عمران: 55] ، قال القرطبي: «على التقديم والتأخير لأن الواو لا توجب الرتبة والمعنى إني رافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا ومتوفيك بعد أن تنزل من السماء» [3] ، وجاء كذلك في قوله تعالى: { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللّهِ } [البقرة: 140] ، فالكلام هنا على التقديم والتأخير، إذ المعنى لو كان إبراهيم وبنوه يهودًا أو نصارى، ثم إن الله تعالى كتم هذه الشهادة لم يكن أحد ممن يكتم الشهادة أظلم منه، ولكن لما استحال ذلك الفعل من الله تعالى مع عدله وتنزيهه عما لا يليق، علمنا أن الأمر ليس كذلك [4] ،
(1) البحر المحيط ( 2/320-321 ) .
(2) ينظر: تفسير أبي السعود ( 1/304 ) .
(3) نفسه (4/99) .
(4) ينظر: تفسير الطبري (3/124) ..