وهذه حكمة بالغة من الله تعالى في خطابه مع خلقه، إذ ليس القرآن إلا كتابًا أحكمت آياته، وجاء بلسانٍ عربي مبين.
... وهناك نوع آخر من عدم حفظ الرتبة للوفاء بمطالب أسلوبية من رعاية فاصلةٍ أو غير ذلك [1] ، كما في قوله تعالى: { فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا } [الأحزاب: 26] ، إذ إن السامع يتوقع من التفصيل عند سماعه { فَرِيقًا تَقْتُلُونَ } أن يقول الله تعالى ( وفريقًا تأسرون) ، ولكن رعاية الفاصلة آثرت حفظ الرتبة في النهاية بعد عدم حفظها في البداية، بسبب الجانب الصوتي الجمالي للفاصلة القرآنية، ويلاحظ مثل ذلك أيضًا حتى مع تباعد المواقع في الخطاب المدني؛ إذ نجد في سورة البقرة قوله تعالى: { بَل لّعَنَهُمُ اللّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مّا يُؤْمِنُونَ } [البقرة: 88] ، ثم نجد في سورة النساء قوله تعالى: { وَلَكِن لّعَنَهُمُ اللّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاّ قَلِيلًا } [النساء: 46] ، وكلاهما خطاب لبني إسرائيل، ولا نملك إلا أن نرى أن رعاية الفاصلة سبب في الفرق بين الرتبة هنا والرتبة هناك.
... ومن عدم حفظ الرتبة كذلك ما جاء في خطاب الله تعالى لنبيه - صلى الله عليه وسلم - ، في قوله تعالى: { وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلآءِ شَهِيدًا } [النساء: 41] ، إذ جاء في سورة النحل- وهي مكية- بقوله تعالى: { وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلآءِ } [النحل: 89] .
(1) ينظر: البيان في روائع القرآن (1/73) .