الأول: وهو مذهب الخليل [1] وسيبويه [2] ارتفع الصائبون بالابتداء على نية التأخير، كأنه قيل: إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحًا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، والصائبون كذلك، فحذف خبره، والفائدة في عدم عطفهم على من قبلهم هو أن الصابئين أشد الفرق المذكورين في هذه الآية ضلالًا.... الوجه الثاني: وهو قول الفراء [3] أن كلمة { إن } ضعيفة في العمل ههنا، وبيانه من وجوهٍ: الأول: أن كلمة { إن } إنما تعمل لكونها مشابهةً للفعل، ومعلوم أن المشابهة بين الفعل وبين الحرف ضعيفة.
الثاني: أنها وإن كانت تعمل لكن إنما تعمل في الاسم فقط، أما الخبر فإنه بقي مرفوعًا بكونه خبر المبتدأ، وليس لهذا الحرف في رفع الخبر تأثير...
الثالث: أنها إنما يظهر أثرها في بعض الأسماء، أما الأسماء التي لا يتغير حالها عند اختلاف العوامل فلا يظهر أثر هذا الحرف فيها، والأمر ههنا كذلك، لأن الاسم ههنا هو قوله { الذين } وهذه الكلمة لا يظهر فيها أثر الرفع والنصب والخفض.
إذا ثبت هذا فنقول: إنه إذا كان اسم { إن } بحيث لا يظهر فيه أثر الإعراب، فالذي يعطف عليه يجوز النصب على إعمال هذا الحرف، والرفع على إسقاط عمله... والسبب في جواز ذلك أن كلمة { إن } كانت في الأصل ضعيفة العمل، وإذا صارت بحيث لا يظهر لها أثر في اسمها صارت في غاية الضعف، فجاز الرفع بمقتضى الحكم الثابت قبل دخول هذا الحرف عليه... وهو مذهب حسن... لأن الذي قالوه يقتضي أن كلام الله على الترتيب الذي ورد عليه ليس بصحيحٍ، وإنما تحصل الصحة عند تفكيك هذا النظم» [4] ، والرأي عندي ما ذهب إليه الفراء لما ذكره من الأدلة، وهذا العطف لا شواهد عليه في الخطاب المكي.
(1) ينظر: الجمل في النحو ( 154 ) .
(2) ينظر: الكتاب ( 2/155 ) .
(3) ينظر: معاني القرآن للفراء ( 1/105-108 ) .
(4) تفسير الرازي ( م6/ج12/55-57 ) .