وهناك طاقةٌ إيحائيةٌ في حكاية الصوت للمعنى المراد من الكلمة [1] ، أسماها الدكتور إبراهيم أنيس بـ (الدلالة الصوتية) [2] ، عبر إبداع خطاب العهد المدني ألفاظًا لم تكن من قبل أو تحويل ألفاظٍ عن معانيها التي كانت لها إلى معانٍ أخرى تتناسب مع إيحاء أصوات الألفاظ [3] ، فما كان من هذا الإيحاء حسنًا حرص الخطاب المدني عليه بالألفاظ، وما كان سيئًا استعاض الخطاب المدني عنه ما يؤدي إليه من ألفاظٍ وعباراتٍ، ومن ذلك سؤال زكريا - عليه السلام - لربه عندما أخبر بما سيرزقه الله تعالى من الذرية [4] فقال: { رَبّ أَنّى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ } [آل عمران: 40] ، في حين أن مريم عليها السلام حصل لها الأمر نفسه فقالت: { رَبّ أَنّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ } [آل عمران: 47] ، فأجاب الله تعالى زكريا - عليه السلام - بقوله: { كَذَلِكَ اللّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ } ، وأجاب مريم عليها السلام بقوله: { كَذَلِكَ اللّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ } ،وذلك أن التعبير بلفظ (يَفْعَلُ) في حالة زكريا - عليه السلام - لا يثير في النفس خواطر سيئةٍ؛ فزكريا - عليه السلام - وامرأته زوجان فلا شبهة إن حملت المرأة من زوجها، وقد كان إخصابها بتسخير الله تعالى زوجها لذلك الأمر، وأما في حالة مريم عليها السلام فإن التعبير بلفظ (يَفْعَلُ) ربما أثار خواطر سيئةٍ عند بني إسرائيل، فاللفظ لهذا غير مناسبٍ للمقام والحال، ومن هنا جاء الفعل (يَخْلُقُ) متناسبًا مع السؤال بكيفية الولادة فهي لم تتزوج بعد [5] .
(1) ينظر: البيان في روائع القرآن (1/212) .
(2) ينظر: دلالة الألفاظ (46) .
(3) ينظر: البيان في روائع القرآن (1/212) .
(4) ينظر: نفسه.
(5) ينظر: التحرير والتنوير ( م3/ج3/249 ) ، والبيان في روائع القرآن ( 1/212 ) .