الصفحة 379 من 426

ومنه قوله تعالى { إِنّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدّواْ الأمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا } [النساء: 58 ] ، فخرج الخبر إلى الأمر العام لجميع الأمة، لأن (يَأْمُرُكُمْ) فيه الإلزام والوجوب، وقد يكون بغير ذلك، إذ يتم العدول بالفعل الخبري عن صيغة الأمر للدلالة على التوكيد والإشعار بامتثال الأمر، وأن المخاطب جدير بالمسارعة لتنفيذه، وأنه أهل لتلقيه وتحمله فكأنه قد تحقق فعلًا، نحو قوله تعالى: { وَالْمُطَلّقَاتُ يَتَرَبّصْنَ بِأَنْفُسِهِنّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ } [البقرة: 228] ، وقوله: { وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ } [البقرة: 233 ] ، و قوله تعالى: { وَالّذِينَ يُتَوَفّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبّصْنَ بِأَنْفُسِهِنّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا } [البقرة: 234] ، فظاهر هذا الكلام خبر إلا إن علماء المسلمين اتفقوا على أن النساء عليهن أن يعتددن لطلاقهن ثلاثة أقراءٍ إذا كان الحيض موجودًا، وأن يتربصن بأنفسهن إذا توفي عنهن أزواجهن أربعة أشهرٍ وعشرًا [1] ، فعلم بإجماع المسلمين أن المراد بذلك الأمر، ومن ذلك قوله تعالى: { يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ هَلْ أَدُلّكمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ، تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ، يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيّبَةً فِي جَنّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } [ الصف 10 - 12] ، ويدل على إرادة الأمر جزم (يغفر) فلو لم يكن طلبًا لم يصح الجزم [2] ،

(1) ينظر: تفسير الطبري (2/525) ، وتفسير القرطبي (3/165) .

(2) ينظر: دلالة المعنى لـ د . عبد الوهاب حسن حمد ( 7-8 ) ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت