ومن توسع المعنى في الخطاب المدني: الجمع بين الألفاظ والصيغ ذات الدلالات المختلفة: كقوله تعالى: { مَن ذَا الّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً } [البقرة: 245] ، فالفعل أقرض مصدره إقراضٌ والفعل الثلاثي قرض مصدره قرضٌ. فجاء بالفعل الرباعي يقرض وماضيه أقرض، ولم يأت بمصدره إنما جاء بمصدر الفعل الثلاثي قرض. ولو رجعنا إلى معنى القرض في اللغة لوجدنا له معانيَ كثيرة منها المال والإقراض [1] ، لذا القرض في الآية يحتمل المعنيين، فلو كان المقصود الإقراض لكان إعرابها مفعولًا مطلقًا، ولو كان المقصود المال لكان إعرابها مفعولًا به [2] ، ومثله أيضًا قوله تعالى: { وَيُرِيدُ الشّيْطَانُ أَن يُضِلّهُمْ ضَلاَلًا بَعِيدًا } [النساء: 60] : فأضل يضل مصدره الإضلال، والضلال مصدر الفعل ضلّ [3] . وهذا المصدر جاء في آيةٍ أخرى في قوله تعالى: { وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلّ ضَلاَلًا مّبِينًا } [الأحزاب: 36] ، فهنا جاء بالفعل من بناءٍ ولم يأت بمصدره، وإنما جاء بمصدر الفعل الثلاثي ضلَّ لأن الشيطان يريد أن يبدأ مرحلة أن يضل الإنسان [4] ولكن لا يريد أن يتبع، وإنما يريد الإنسان أن يتم ويكمل المرحلة بنفسه [5] ؛ فيبتدع من وسائل الضلال ما لا يتصوره الشيطان نفسه. فلو جاء الخطاب في الآية بإضلال لكان هذا كله من الشيطان وحده ولكان المراد بها: أن الشيطان يضع الإنسان على طريق الضلال ويدفعه فيه، ولكن جاء اللفظ في هذا السياق دالًا على المعنيين، فالشيطان والإنسان مشتركان في عملية الضلال [6] ،
(1) ينظر: لسان العرب، مادة (قرض) ، (7/216) وما بعدها.
(2) ينظر: التبيان في إعراب القرآن (1/193) .
(3) ينظر: إعراب القرآن للنحاس (1/467) ، والسابق (1/367) .
(4) ينظر: التحرير والتنوير (م11/ج22/28) .
(5) ينظر: فتح القدير (1407) .
(6) ينظر: تفسير الرازي (م13/ج25/212) ..