الصفحة 390 من 426

لذا جاء الخطاب المدني بالمصدر ضلال في الآية ولم يقل (إضلالًا) ، قال أبو السعود: « وضلالًا إما مصدر مؤكد للفعل المذكور بحذف الزوائد كما في قوله تعالى: { وأنبتها نباتًا حسنًا } أي إضلالًا بعيدًا وإما مصدر مؤكد لفعله المدلول عليه بالفعل المذكور أي فيضلوا ضلالًا، وأيًا ما كان فوصفه بالبعد الذي نعت موصوفه للمبالغة» [1] .

ومن مواطن توسع المعنى في الخطاب المدني: احتمال تعدد الوجوه الإعرابية للكلمة: وهذا الأمر جاء في كثيرٍ من آيات الخطاب المدني، كما في قوله تعالى: { وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا } [النساء: 36] ، فكلمة (شيئًا) هل تدل على شيءٍ من الأشياء مما يشرك الناس به من أوثانٍ وغيرها وعندئذ تعرب مفعولًا به، أو لا تشركوا به شيئًا من الشرك لأن الشرك أنواع، فتعرب حينئذٍ مفعولًا مطلقًا، إذ تحتمل المعنيين [2] ، وكذلك قوله تعالى: { أَلَمْ تَرَ إِلَى الّذِينَ يُزَكّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللّهُ يُزَكّي مَن يَشَآءُ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلًا } [النساء: 49] ، فالفتيل هو الخيط في شق النواة [3] فهل الفتيل مفعول به، بعدِّهِ بمعنى الشيء الصغير، أو بمعنى: شيئًا من الظلم وإن كان فتيلًا، فحينئذٍ نعرب المصدر مفعولًا مطلقًا، لأن السياق يدل على الأمرين معًا [4] ، ومثلها قوله تعالى: { فَبِظُلْمٍ مّنَ الّذِينَ هَادُواْ حَرّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيّبَاتٍ أُحِلّتْ لَهُمْ وَبِصَدّهِمْ عَن سَبِيلِ اللّهِ كَثِيرًا } [النساء: 160] ، فالكثير من الصدِّ أم من الخلق أم من الوقت لأنها تحتمل كل هذه المعاني [5] .

(1) تفسير أبي السعود ( 1/542 ) .

(2) ينظر: فتح القدير (379) .

(3) ينظر: اللسان، مادة (فتل) ، (11/514) ، ومختار الصحاح، مادة (فتل) ، ( 205 ) .

(4) ينظر: التبيان في إعراب القرآن (2/828) .

(5) ينظر: إعراب القرآن للنحاس (1/504) ، والتبيان في إعراب القرآن (1/407) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت