القول الخامس: يقضي بأن هذه الأحرف أقسام أقسم الله تعالى بها، كما أقسم بالقلم تنويهًا، لأن مسمياتها تألفت منها أسماء الله تعالى، وأصول التخاطب والعلوم، كما قاله الأخفش [1] ، وقد ضعف هذا القول بأنها لو كانت مُقْسمًا بها لذُكر حرف القسم إذ لا يُحذف إلا مع اسم الجلالة عند البصريين [2] ، وبأنه قد ورد بعدها في بعض المواضع قسم نحو قوله تعالى: { نَ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ } [القلم: 1] و { حمَ وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ } [الزخرف: 1-2] ، ورأى صاحب الكشاف [3] أنهم قد استكرهوا الجمع بين قسمين على مقسم واحد، حتى قال الخليل في قوله - عز وجل -: { وَالْلّيْلِ إِذَا يَغْشَى وَالنّهَارِ إِذَا تَجَلّىَ وَمَا خَلَقَ الذّكَرَ وَالاُنثَىَ } [الليل: 1-3] : «الواوان الأخريان ليستا بمنزلة الأولى ولكنهما الواوان اللتان تضمان الأسماء إلى الأسماء في قولك: مررت بزيد وعمرو، والأولى بمنزلة الباء والتاء. ألا ترى أنك تقول: والله لأفعلن ووالله لأفعلن فتدخل واو العطف عليها كما تدخلها على الباء والتاء» [4] ، بمعنى أن حرفي الواو التاليين للواو الأولى هما للعطف لا للقسم.
... والجواب عن رأي الزمخشري - عند من ذهب إلى تقوية هذا القول- أن كراهية الجمع بين قسمين تندفع بأنهم جمعوا بين قسمين في لغة العرب، قال النابغة [5] : (السريع)
(1) ينظر: معاني القرآن للأخفش ( 1/170 ) .
(2) ينظر: إعراب القرآن للنحاس (3/474) ، والإنصاف في مسائل الخلاف (1/399) .
(3) ينظر: الكشاف (1/67 ) .
(4) الكتاب لسيبويه ( 3/501 ) ، وينظر: الكشاف ( 1/67 ) .
(5) البيت منسوب للنابغة في: ديوان المعاني، لأبي هلال العسكري (1/46) ، وشرح أدب الكاتب، للجواليقي ( 185 ) ، وليس في ديوانه.