الصفحة 62 من 426

ووجه تخصيص بعض تلك الأحرف بالتهجي دون بعض، وتكرير بعضها لأمر لا نعلمه، ولعله لمراعاة فصاحة الكلام، ويقويه كذلك أن معظم مواقع هذه الأحرف في أوائل السور المكية عدا البقرة وآل عمران، ولعل ذلك لأنهما نزلتا بقرب عهد الهجرة من مكة، وأن قصد التحدي في القرآن النازل بمكة أولي [1] .

... والذي يظهر من الكلام السابق أن هذه الأحرف ليس لها معنى، ولها مغزى، و هذا مبني على أن الحرف في لغة العرب لا معنى له، والقرآن نزل بلغتهم، كما قال الله - سبحانه وتعالى - { إِنّآ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لّعَلّكُمْ تَعْقِلُونَ } [ يوسف: 2] ، والعرب لم تجعل للحرف المفرد معنى، ولهذا قال سيبويه، في تقسيم الكلام: «اسم وفعل وحرف جاء لمعنى ليس باسم ولا فعل» [2] ، فإن قول سيبويه (جاء لمعنى) يريد به التفريق بين أحرف المبنى وأحرف المعنى [3] ، وأحرف المبنى التي لا معنى لها هي أحرف الهجاء، ولهذا لا نتطلب لهذه الأحرف معنى محددًا تدل عليه، وقد ذهب الراغب الأصفهاني إلى القول بأن قوله تعالى: { الَم ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لّلْمُتّقِين } [البقرة: 1-2] ، جاء (( تنبيهًا على أن هذا الكتاب مركب من هذه الحروف التي هي مادة الكلام ) ) [4] ، وقال: «إن المفهوم من هذه الحروف، الأظهر بلا واسطة، ما ذهب إليه المحققون من أهل اللغة ... وهو أن هذه الحروف لما كانت عنصر الكلام ومادته التي يتركب منها، بين تعالى أن هذا الكتاب من هذه الحروف التي أصلها عندكم، تنبيهًا على إعجازهم، وأنه لو كان من عند البشر لما عجزتم - مع تظاهركم - عن معارضته» [5] .

(1) ينظر: تفسير التحرير والتنوير (م1/ج2/ص213 ) .

(2) الكتاب لسيبويه ( 1/12 ) .

(3) ينظر: الكواكب الدرية شرح متممة الآجرومية للأهدل ( 1/29 ) .

(4) مقدمة جامع التفاسير للراغب الأصفهاني ، ت: أحمد حسن فرحات ( 86 ) .

(5) نفسه ( 105 ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت