... ولعل هذا القول هو الراجح، لما ذكره العلماء من الحجج، ولما له من مناسبة التحدِّي التي لا يستطيع أحد من المخالفين إنكارها.
... وبناءً على ما ذكرت رأيت أن خطاب الله تعالى بالأحرف المقطعة كثر في العهد المكي؛ لتبكيت الكافرين وإظهار منزلتهم المتدنية، في حين نرى أن الله تعالى لم يستخدم تلك الأحرف المقطعة في العهد المدني لأن العرب في ذلك العهد دخلوا في الإسلام فلم يكونوا أميين بعد أن تعلموا القراءة والكتابة، كما هو معروف في كتب السيرة، وقد استخدم الله تعالى تلك الأحرف في افتتاح سورتي البقرة وآل عمران لأنهما نزلتا بقرب عهد الهجرة من مكة، وقصد التحدي في القرآن النازل بمكة أولي [1] ، ولذا لم يُعِد الخطاب بتلك الأحرف في غير تلك السورتين.
ثالثا: دراستها نحويًا:
خلصت في الأقوال السابقة إلى أن معاني هذه الأحرف المقطعة-التي بدأ الخطاب المدني بها- مختلف فيها، وتبعًا لهذا الاختلاف اختلفت رؤاهم النحوية وتحليلاتهم لهذه الأحرف، وتعددت أقوالهم فيها، وقد جمعت هذه الأقوال في الآتي:
1-أنها أسماء حروف التهجي ، بمعنى أن الميم اسم لـ (مه) ، والعين اسم لـ (عه) ، وأن فائدتها إعلامهم بأن هذا القرآن منتظم من جنس ما تنظمون من كلامكم، فلا محل لها حينئذ من الإعراب [2] .
2-أنها موقوفة، لا معربة ولا مبنية [3] .
3-أنها معربة، بمعنى أنها صالحة للإعراب وإن اختلَّ شرطه وهو التركيب، وإليه مال الزمخشري في تفسيره [4] ، وبناء على هذا القول اختلفوا في موقعها الإعرابي على ثلاثة أقوال [5] هي:
(1) ينظر: تفسير التحرير والتنوير (م1/ج2/ص213 ) .
(2) ينظر: الدر المصون ( 1/79 ) ، وهو ما رجحه في كتابه.
(3) ينظر: إعراب القرآن، للنحاس (1 /177) ، والتبيان في إعراب القرآن، للعكبري ( 1/14) .
(4) ينظر: الكشاف ( 1/73 ) .
(5) ينظر: إعراب القرآن (1 /177) ، والتبيان في إعراب القرآن ( 1/14) .