وعلى كل حال فهذه الميم لم تدخل في آيات الخطاب المدني إلا في ثلاثة موضع: أولها توجيه من الله تعالى بقولها، كما في قوله تعالى: { قُلِ اللّهُمّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَآءُ } [آل عمران: 26] ، وأما الموضعان الآخران فكانا خطابًا من الخلق لخالقهم، كما في قوله تعالى: { قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللّهُمّ رَبّنَآ أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مّنَ السّمَآءِ } [المائدة: 114] ، وقوله تعالى: { وَإِذْ قَالُواْ اللّهُمّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مّنَ السّمَآءِ } [الأنفال: 32] .
غير أن لـ (يا النداء) معنى آخر جاء في خطاب السور المدنية تمثل في التنبيه، لا النداء، كما في نحو قوله تعالى: { يَا لَيتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ } [النساء: 73] ، فـ (يا) في هذا الموضع حرف تنبيه، لا حرف نداء، هذا مذهب قوم من النحويين [1] ، وذهب آخرون إلى أنها، في ذلك، حرف نداء، والمنادى محذوف [2] . والتقدير: يا هؤلاء ليتني (( وضعف هذا الرأي بوجهين: أحدهما: أن(يا) نابت مناب الفعل المحذوف، فلو حذف المنادى لزم حذف الجملة بأسرها، وذلك إخلال. والثاني: أن المنادى معتمد المقصد، فإذا حذف تناقض المراد، وذهب ابن مالك في التسهيل إلى تفصيل ذلك. وهو أن (يا) إن وليها أمر أو دعاء فهي حرف نداء، والمنادى محذوف، وإن وليها (ليت) أو (رب) أو (حبذا) فهي لمجرد التنبيه )) [3] .
(1) ينظر: التبيان في إعراب القرآن ( 1/372 ) ، ومغني اللبيب ( 1/488 ) .
(2) ينظر: التبيان في إعراب القرآن ( 1/372 ) ، ومغني اللبيب ( 1/488 ) .
(3) رصف المباني ( 453 ) .