تنبيهٌ: أنَّ (أنَّما) بالفتحِ كـ (إنَّما) بكسرِ الهمزةِ في جميعِ مَا ذُكِرَ من البيَانِ وَالأحكامِ عند العُلماءِ خلافًا للبعضِ، نحو: بَلغَني أنَّما زيدٌ قائمٌ، وَأنَّما يقومُ زيدٌ فإنَّها تفيدُ الإثباتَ للمذكورِ آخرًا والنَّفيَ لما عدَاهُ، وَقد يجتمعانِ نحو: إنَّما المؤمنُ متيقِّنٌ أنَّما الآخرةَ حقٌّ، وإنَّمَا يتيقَّنُ المؤمنُ أنَّما الآخرةَ حقٌّ، شاهدُ الأوَّلِ قولِهِ تعالى: {إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} [الكهف:110] كما أنَّ شاهدَ الثَّاني قولَهُ تعالى: {قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} [الأنبياء:108] واستدلَّ ذلكَ البَعضُ وَهوَ أبو حَيَّانَ النَّحويُّ على أنها لا يُفِيْدُ/ القصرَ، بأنَّها لو كانت مفيدةً لهُ لَزَمَ أن لا يُوحى إليهِ غيرُ التَّوحيدِ، وَاللَّازمُ
ص 42
بَاطلٌ، وَأُجيبَ عنهُ بمنعِ الملازَمَةِ؛ فإنَّ الخطابَ ههُنا إنَّما هو مَع المشركينَ، وَالقصرُ قصرُ قلبٍ إضافيٍّ، وَالمعنى: مَا يُوحى إليَّ من آمرِ الرُّبوبيَّةِ إلا التَّوحِيدَ لا الإشراكَ.
فإنْ قلتَ: فكيفَ يكونُ هِيَ بمنزِلَتها في ذلكَ فإنَّها مختصَّةٌ بمظانِّ المفردَاتِ، كما أنَّ (إنَّما) بالكسرِ مختصَّةٌ بموَاقعِ الجُّملةِ الخبريَّةِ.
قلت: لا استبعَادَ في ذلكَ فإنَّ الحديثَ وَالمحدَّثَ عنهُ لما جريَا بعدَها أُلحقَتْ بهَا في ذلكَ.
فإنْ قلتَ: كيف يجوزُ اجتماعُ القصرين على وَجهِ التَّأسِيسِ في كلامٍ وَاحدٍ مَعَ أنَّهُمَا يُفيدانِ الإثباتَ للمذكورِ آخِرًَا؟
قلتُ: لا امتناعَ في ذلكَ؛ فإنَّ
ص 43
المذكورَ آخرًا مُتَعَدِّدٌ معنىً وإن كانَ مُتَّحِدًَا لفظًا، يظهرُ ذلكَ بالتَّأمُّلِ في نحو: إنَّما المؤمنُ يتيقَّنُ أنَّما الآخرةُ حَقٌّ، فإنَّ مَعناهُ أنَّ المؤمنَ مقصُورٌ على الإيقانِ بأنَّ الآخرةَ مقصُورةٌ على الحقِّ لا يتعدَّى إلى خلافِهِ.
فإنْ قلتَ: أيُّ القصرينِ مُقَدَّمٌ معنىً في صُورةِ الاجتماعِ؟.
قلتُ: القصرُ الثَّانِي مقدَّمٌ معنىً على القصرِ الأوَّلِ فإنْ تَعَقٌّلَهُ مُقدَّمٌ على تعقُّلِ الأوَّلِ كتقدُّمِ تعقُّلِ الجزءِ على تعقُّلِ الكُلِّ.
هذا ثُمَّ أنَّ معنى حرفِ التعريفُ هو الإشارةُ إلى مدلوُلٍ مدخولُها مُطلقًا سَوَاءٌ كان جنسيًَّا أو غيرَهُ نحو: الرَّجلُ خيرٌ من المرأةِ، وَالجسمُ مُتحيِّزٌ.
فإنْ قلتَ: لا شَكَّ أنَّ المتكلمَ يشيرُ باللامِ إلى المعنى المقصودِ ويشيرُ إليهِ
ص 44
بالاسم المعرَّفِ أيضًا، فهل يظهرُ فرقٌ بين الإشارتينِ؟.
قلتُ: الفرقُ بينَهما جليٌّ؛ فإنْ المقصُودَ باللامِ هو الإشارةُ التَّابعَةُ لتَعَيُّنِ المعنى من حيثُ أنَّهُ مُتَعَيِّنٌ، وَلهذا لا بدَّ عندَ ذكرِهَا من ذكرِ مُتَعَلَّقِهَا ويدخلُ/ على الأسماءِ التي لا يُلاحظُ في مدلولاتِها الحضورُ والتَّعيينُ، ولا يدخُلُ على أسماءِ الإشارةِ وعلى سَائرِ الأسماءِ التي يُلاحظُ في معانِيها الحُضورُ وَالتَّعيينُ، وَلهذا قالُوا: إنَّ حَرف التَّعريفِ في (الذي) ونحوهُ صلةٌ جئتَ بها لأجلِ التَّزيينِ وزيادةِ حُسْنِ التَّأديَةِ وَتيسيرِهَا، وَأمَّا المقصودُ بالمعرَّفِ بحرفِ التَّعريفِ فهو معناهُ سَواءً لُوحظَ فيهِ حضورَهُ في الذِّهنِ أو لا، فظهرَ من هذا أن جهَةَ إيضاحِ
ص 45
المعنى بالاسمِ يُغايرُ جهةَ إيضاحِهِ باللامِ، فاندفعَ تَوَهُّمُ التَّأكيدِ واستدراكُ أحدِ الإشارتين.
ثمَّ إنَّ التَّعريفَ إمَّا تعريفُ عهدٍ وإمَّا تعريفُ جنسٍ، فالأوَّلُ تعريفُ خصَّةٍ من الحقيقةِ فردًا كانَ أو فردين أو أكثرَ إذا قيلَ لكَ جَاءني رَجلً أو رَجُلان أو رِجَالٌ، تقولُ: أكرِم الرَّجلُ أو الرَّجلين أو الرِّجالُ، وَيُسمَّى تعريفَ العهْدِ الخارجيِّ، والثَّاني ثلاثةُ أقسامٍ؛ فالأوَّلُ تعريفُ الماهيَّةِ من حَيثُ هِيَ هِيَ، ويُسمَّى تعريفَ نفسِ الماهيَّةِ مثلًا، نحو الإنسانُ نوعٌ، وَالثَّانِي تعريفُ الماهيَّةِ لا من حيثُ هِيَ هِيَ، بَل باعتبارِ تَحَقُّقِهَا في ضمنِ الأفرادِ مَعَ قرينةٍ دَالَّةٍ عَلى البعضيَّةِ،
ص 46
ويُسمَّى تعريفَ العهدِ الذِّهنيِّ نحوَ: أكلتُ الخبزَ وَشربتُ الماءَ، والثَّالثُ تعريفُها في ضمنِ أفرادِهَا بدونِ تلكَ القرينةِ، فيُحملُ على العمُومِ احترَازًَا عن التَّرجيحِ بلا مُرَجِّحٍ، ويُسَمَّى تعريفَ الاستغراقِ نحوَ: قالَ اللهُ تعالى: {وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِيْنَ آمَنُوْا} [العصر:1 - 3] ثم إنَّ الجَّمعَ المحلَّى بلامِ الاستغراقِ يكونُ مجَازًا عن الجِّنسِ بحيثُ يُفيدُ استغراقَ الأفرادِ كُلِّهَا مثل المفردِ، نصَّ بذلكَ أئمةُ التَّفسيرِ/ وَالأصُولِ وَالنَّحوِ وَدلَّ عليهِ الاستقراءُ، قالَ اللهُ تعالى: {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا} [البقرة:31] {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوْا لِآدَمَ} [البقرة:34] {وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِيْنَ} [آل عمران:134] {وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِيْنَ بِبَعِيْدٍ} [هود:83]
ص 47
{وَمَا اللهُ يُرِيْدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِيْنَ} [آل عمران:108] وَغيرَ ذلكَ أكثرُ من أن يضبِطَهُ القلمُ، فظهر مَن هذا أنَّ كونَ استغراقِ المفردِ أشملَ من استغرَاقِ الجَّمعِ إذا لم يكنِ الجمعُ مجازًا على مَا هُو الظَّاهرُ، فسقطَ الاعتراضُ بتساوي استغراقِ الجَّمعِ لاستغراقِ المفرَدِ في أمثالِ هذهِ الصُّورِ على قاعدةِ الأشمليَّةِ، ثمَّ إنَّ من جُملَةِ القواعِدِ الاستقرائيَّةِ أنَّ مُقابلَةَ الجَّمعِ بالجَّمعِ يقتضي انقسامَ الآحادِ بالآحادِ، كقولِكَ: رَكِبَ القومُ دوابَّهُم ولبسُوا ثيابَهم.
فإنْ قلتَ: مَا السَّببُ الباعِثُ على رعَايةِ مثلَ هذهِ القاعدَةِ؟.
قلتُ: السَّببُ الباعِثُ عليها هوَ القصدُ إلى استقامَةِ المعنى المرادِ
ص 48
من الكلامِ، وَلأجلِ هذا سَقطَ الاعتباراتُ الثلاثُ الأُخرُ في أمثالِ هذهِ المقامَاتِ لفسادِ المعنى المرادِ منهُ بها، فظهرَ لكَ ممَّا ذُكِرَ أنَّ الجَّمعَ المحلَّى باللام في الموضعينِ في قولِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: يقتضي الاستغرَاقَ وَالانقسَامَ.
فإنْ قلتَ: هذا غيرُ مُسَلَّمٍ لانتقاضِهِ بصورٍ متعدِّدَةٍ: الأولى بعملِ النِّيَّةِ لدفعِ التَّسَلْسُلِ، وَالثَّانيةُ بمعرفةِ اللهِ كذلكَ، وَالثَّالِثَةُ بالبَيعِ والشِّراءِ وَالنِّكاحِ وَالإجارَةِ وَسترِ العَورةِ وَهدَايَةِ الطَّريقِ وَإمَاطَةِ الشَّوكِ عنها، وَنحو ذلك فإنَّها مُعتبرةٌ بدُونِ النِّيَّةِ.
قلتُ: الجَّوابُ:/ أمَّا عن الأُولى فلأنَّ المرَادَ بالأعمَالِ ههُنا هو الأعمَالُ مَا عدَا النِّيَّةَ،
ص 49
فإنَّ العملَ عندَ الإطلاقِ ينصَرِفُ إلى عملِ غيرِ النِّيَّةِ، ألا ترى أنَّكَ تقولُ مَا عملتُ اليَومَ شَيئًا، وإن كنتَ قد نويتَ فيهِ ألفَ شيءٍ فيكونُ عَامًَّا خُصَّ منهُ البعضُ بقرينةِ العُرْفِ، نحو: جمعَ الأميرُ الصَّاغةَ، وَقد أُجيبَ عنها بأنَّها إخلاصٌ لا يُتصوَّرُ فيه شائبةُ الفسَادِ بالريِّاءِ وَنحوِهِ بخلافِ غيرِهَا من عملِ اللِّسَانِ وَعملِ الجَّوَارحِ وَالعملِ المتعلِّقِ بالمَالِ، وَلهذا كانت نيَّةُ المؤمنِ خيرٌ من عملِهِ وَكانَتْ عبَادَةٌ بانفرادِهَا بخلافِ غيرِهَا، وَالتَّحقيقُ أنَّ الغرضَ المهمَّ من النِّيَّةِ هو تمييزُ العبَادَاتِ عن العَادَاتِ وَتمييزُ رتبِ العبَاداتِ بَعضهَا عن بعضٍ، وَهذا إنَّما هو حَاصلٌ
ص 50
في النِّيَّةِ حَقيقةً وَأصَالةً، وَفي غيرها تبعًا وعَرَضًا، وقريبٌ من هذا قولُ من قالَ أنَّ كلَّ عملٍ غيرُ النِّيَّةِ ليسَ بمحتاجٍ إلى النِّيَّةِ بل المحتاجُ إليها إنَّما هوَ الأعمالُ التَّكليفةُ الشَّرعيَّةُ دون الطَّبيعيَّةِ الضَّروريةِ كالأكلِ وَالشُّربِ وَالنَّومُ وَنحوِهَا، لأنَّها باقتضاءِ الجِّبِلَّةِ لا يتوجَّهُ الخطابُ نحوها، وَقد أُجيبَ عنها بأنَّ حرفَ التَّعريفَ فيها للعَهدِ، والمعهُودُ ههُنا هو المعهُودُ شَرعًا، وَهوَ العبَادَاتُ لعدَمِ افتقارِ غيرِهَا إلى النِّيَّةِ، وقد أُجيبَ عنها أيضًا بأنَّ الكلَّ يصحُّ بغيرِ نيَّةٍ، حَكاهُ ابنُ المنذِرِ عن الأوزاعيِّ وَغيرِهِ.
ص 51
فإنْ قلتَ: لو كانت كُلُّ عبَادةٍ بالنِّيَّةِ يلزمُ منهُ نسخُ الكتابِ بالخبرِ الواحدِ، وقد صرَّحَ البعضُ بأنَّهُ نسخُ الكتابِ بالسُّنةِ المتواترَةِ لا يجوزُ أيضًا.
قلتُ: إنَّ النَّسخَ ههُنا بقولِهِ تَعالى: {فَاعْبُدِ اللهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (2) أَلَا للهِ الدِّينُ الْخَالِصُ} [الزمر:2، 3] وقولِهِ تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّيْنَ} [البينة:5] وغيرِ ذلكَ من الحُجَجِ القَطعيَّةِ/ والحديثُ إنَّما وردَ بيَانًا وردًَّا و إرشادًا إلى طريقِ الحَقِّ وَالصَّوابِ، على أنَّ المختارَ عند العُلماءِ جوَازُ نسخِ الكتابِ بالسُّنَّةِ ووقوعِهِ، وَقد عرفْتَ أنَّ هذا الحديثَ متواترٌ معنىً، فلا يكونُ أقلَّ
ص 52
من المشهورِ، وَيجوْزُ نسخُ الإطلاقِ بالخبرِ المشهُورِ عندَ الحنفيَّةِ، وَقولُهُ تعالى: {أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاة} [البقرة:43] وَقولُهُ تعالىَ: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْت} [آل عمران:97] وَقولُهُ: {فَلْيَصُمْهُ} [البقرة:185] إنَّما هوَ من قبيلِ المُطلَقِ في شأنِ القصدِ وَالنِّيَّةِ، وَأمَّا الجَّوَابُ عن الثَّانيةِ فلأنَّ المعرفَةَ هي كالنِّيَّةِ في حصولِ الغرضِ المُهِمِّ من النِّيَّةِ، وقريبٌ من هذا قولُ الفقهاءِ: هِبَةُ كُلِّ النِّصَابِ من الفقيرِ مجزئةٌ وَإن كانَ بغيرِ نيَّةٍ، لأنَّ المُبْتَغَى بها هوَ وَجهَ اللهِ الكريمُ، فتكونُ الهِبَةُ مَجازًا عن الصَّدَقَةِ وَهي عينُ النِّيَّةِ، فظهرَ مِمَّا ذُكِرَ ضعفُ
ص 53
قولِ من قالَ أنَّ المعرفةَ وَالخوفَ وَالرَّجاءَ والتَّسبيحَ وَسَايرَ الأذكارِ وَالأذانَ وَالتِّلاوةَ مُستمرَّةٌ للهِ بصورِهَا لا يحتاجُ منهَا إلى نيَّةِ التَّقرُّبِ بل إلى مجرَّدِ القصدِ إليهِ، وَلهذا لما كانَ الرُّكوعِ وَالسُّجودُ في الصَّلاةِ غير ملتبسينَ بغيرِهما لم يجبْ فيها ذكرٌ، بخلافِ القيامِ والقعودِ في التَّشَهُّدِ فإنَّ كلًا منهما مُتلبسينَ بالعادَةِ، فوجبَ في القيامِ القراءةُ وفي القعودِ والتَّشهدِ ليتميَّزا عن العادةِ، واستدلَّ البعضُ على استغناءِ المعرفَةِ عن النِّيَّةِ فإنَّها لو توقفَتْ عليها لَزِمَ من ذلكَ تحصيلُ الحاصِلِ، أمَّا الملازمَةُ فلأنَّ النِّيَّةَ من قَصْدِ المنويِّ
ص 54
بالقلبِ، وقَصْدُ القلبِ نحوُهُ، وتوجهه بدونِ تصوُّرِهِ أصلًا هو طلبُ مجهوْلٍ مُطْلَقٍ، وَطلبُ المجهولِ المطلَقِ مُحالٌ لامتناعِ تَوجُّهِ القلبِ نحو المجهولِ المُطلَقِ، فلو توقَّفْتَ عَليها لَزِمَ منهُ أن يكونَ الإنسَانُ عَارفًا باللهِ قبلَ معرفَتِهِ وَهوَ مُحالٌ بالضَّرورَةِ،/ وَلمانعٍ أن يمنعَ الملازمَةَ بأن يقولَ أنَّ للمعرفةِ اعتبارين؛ أحدُهُما اعتبارُهُ بوجهٍ ما، ثانيهُما اعتبارُهُ بوجهٍ أوضحَ، فالمعرفَةُ بوجهٍ مَا يتقدَّمُ على النِّيَّةِ، وَالنِّيَّةُ يتقدَّمُ على المعرفةِ بالوجهِ الأوضحِ، فلا يلزمُ منهُ تقدُّمُ الشَّيءِ على نفسِهِ ولا تحصيلَ الحاصِلِ كما ترى، وَاعترضَ
ص 55
أيضًا بأنَّ المرادَ من المعرفَةِ إن كانَ هوَ مُطلَقُ الشُّعُورِ فمُسَلَّمٌ، وَإنْ كانَ هوَ المعرفَةُ بحَسَبِ النَّظرِ في الدَّليلِ فلا نُسَلِّمُ؛ لأنَّ كلَّ ذي عقلٍ يشعرُ مثلًا بأنَّ لهُ من يُدَبِّرُهُ، فإذا أخذَ في الدَّليلِ عليه ليتحقَّقَهُ لم تكنِ النِّيَّةُ حينئذٍ مُحَالًا، ولقائلٍ أن يمنعَ الاستحالةَ أيضًا على تقديرِ أن يكونَ المرادُ من المعرفَةِ هو مُطلقُ الشُّعُوْرِ بناءً على أنَّ المرادَ من المعرفةِ باللهِ ههُنا هوَ التَّصديقُ بهِ لا إدرَاكُهُ عَلى وجهِ التَّصَوُّرِ، فإنَّهُ حَاصلٌ للكفَّارِ؛ قالَ اللهُ تعالى: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ} [البقرة:146]
ص 56
وَمعلُوْمٌ عندكَ بالضَّرورةِ أنَّ منهم غيرُ مؤمنين، فالنِّيَّةُ تحتاجُ إلى تصوُّرِ المَنْوِيِّ لا إلى التَّصديقِ بهِ.
وإنْ كانَ المرادُ من المعرفَةِ التَّصوُّرُ فللتَّصوُّرِ اعتباران:
أحدُهما: اعتبارُهُ بوجهٍ ما، وثانيهُما: اعتبارُهُ بوجهٍ أكملَ منهُ على مَا عرفتَ آنفًا، فلا يلزمُ منهُ محُالٌ حينئذٍ أيضًا.
وأمَّا الاستدلالُ على ذلك بلزومِ الدَّورِ والتَّسَلْسُلِ فقد اَومَأنا إليهِ في أثناءِ بيانِ صورِ النَّقضِ فافهمْ، وإن شئتَ في هذا المقامِ تفصيلَ الكلامٍ وَالاطِّلاعَ على حقيقةِ المَرَامِ فاستمعْ لما يُلقى إليكَ؛ وَاعلمْ
ص 57
أولًا أنَّ الإيمانَ يُقالُ عندَ النَّاسِ على مَعانٍ كثيرةٍ، فيُقالُ على نفسِ التَّصديقِ باللهِ وَبصفاتِهِ، وعلى هذا التَّصديقِ مع الإقرارِ وعلى المعرفَةِ باللهِ، وعلى المعرفةِ باللهِ وبما جاءَ بهِ الرسُّلُ إجمالًا وعلى الطَّاعاتِ،/ وعلى التَّصديقِ بالجَّنَانِ وَالإقرَارِ باللِّسَانِ وَالعملِ بالأركانِ وعلى كلمتَي الشَّهادةِ.
وثانيًا أنَّ الإيمانَ مَأمُورٌ بهِ وَكلُّ مَأمورٍ بهِ مقدورٌ اختياريٌّ وقصدِيٌّ، وَإلا لما وقعَ التَّكليفُ بهِ وَلما يُثابُ بهِ أحسنَ الثَّوابِ، فالإيمانُ باللهِ لابدَّ لهُ من اختيارٍ وَقصدٍ وَهوَ المرادُ من النِّيَّةِ ههُنا، وَلذلكَ
ص 58
قالَ بَعضُ العُلماءِ: إنَّ التَّصديقَ أمرٌ اختيارِيٌّ هوَ نسبَةُ الصَّدقِ إلى المُخْبِرِ اختيارًا، لم يكن ذلكَ تصديقًا.
فإن قلتَ: قد ذكرَ بعضُ أهلِ الاستدلالِ أنَّ التَّصديقَ إذعَانٌ وَقبولٌ لوُقوعِ النِّسبَةِ أوَّلًا وقوعُها، فعلى هذا يكونُ التَّصديقُ من الكيفياتِ دُونَ الأفعالِ الاختياريَّةِ، فكيفَ يصحُّ الأمرُ بالإيمانِ؟.
قلتُ: سلَّمنا ذلكَ، لكن صحَّ باعتبارِ اشتمالِهِ على الإقرارِ وَعلى صَرفِ القُوَّةِ وترتيبِ المُقَدِّمَاتِ ورفعِ الموَانِعِ
ص 59
وَاستعمالِ الفِكْرِ في تحصيلِ تلَكَ الكيفيَّةِ، وَنحو ذلكَ من الأفعالِ الاختياريَّةِ، وَهكذا الجَّوَابُ في نظائرِهِ من صحَّةِ الأمرِ بالعلمِ وَبالمحبَّةِ وَبالرِّضىَ وَالبغضِ، وَنحوِ ذلكَ من المأمُورِ به الغيرِ الاختياريِّ.
فإنْ قلتَ: هذا الذي ذكرتَهُ ههُنا يُخالفُ لما ذكرتَهُ في مَطْلَعِ الكلامِ؛ مِنْ أنَّ المعرفَةَ باللهِ هي كالنِّيَّةِ في حصُولِ الغرضِ المهمِّ من النِّيَّةِ.
قلتُ: سلَّمناهُ، لكن لا مخالفةَ بينَهما في الوَاقعِ فإنَّ الكلامَ ههُنا إنَّما هو بحسبِ مُقتضى المحاورَةِ ومُوجِبِ المُناظرَةِ وَالإلزامِ، كما أنَّ الكلامَ هُناكَ إنَّما هو بحَسَبِ الوَاقعِ والبرهَانِ، فإذَنْ لا مخالفةَ بينَهما في التَّحقيقِ.
وأمَّا الجَّوابُ عن النَّقضِ بالصُّورةِ الثَّانيةِ فقد عَرَفْتَهُ
ص 60
في ضمنِ الجَّوابِ/ عن النَّقضِ بالصُّورةِ الثانيَةِ، فلا حَاجَةَ إلى الإعَادَةِ، وَقد أُجيبَ عنهُ أيضًا بأنَّ النِّيَّةَ لا يُحْتَاجُ إليهَا في شيءٍ من غيرِ المقاصِدِ التي لا بدَّ فيها من نِيَّةِ التَّقرُّبِ بالاتفاقِ، وَقدْ أُجِيْبَ عنهُ بأنَّ حرفَ التَّعريفِ في الأعمَالِ إنَّما هو للعَهدِ لا للاستغراقِ الحقيقيِّ، والمعهُوْدُ هَا هُنا شَرعًا هو العبَادَاتُ لعدَمِ افتقارِ غيرِهَا إلى النِّيَّةِ، وَحكى الطَّبرِيُّ في (( أحكامِهِ ) )أنَّ الأعمالَ المُباحَةَ إذا اقترنَتْ بها نيَّةٌ جمَيلَةٌ؛ بأنْ أَكَلَ لَيَتَقَوَّى عَلى الطَّاعةِ وَنَكَحَ لَيَسْتَعِفَّ ونحوِ ذلكَ، كانت عبادةً وقربةً، فإذا خَلَتْ منها لم تكن عبَادةُ.
ص 61