فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 19

الأوَّلُ: أنَّها مرُكَّبَةٌ من (إنَّ) وَ (ما) فاخْتُلِفَ في (ما) ، فالجمهُورُ عَلى أنَّها كافَّةٌ تَكُفُّهَا عن عملِ النَّصبِ وَالرَّفعِ بناءً على القولِ الرَّاجِحِ، وَقيلَ تَكُفُّهَا عن عملِ النَّصبِ فقط.

وزعمَ بَعضُ أهلِ الاستدلالِ أنَّها تنفي مَا

ص 28

سوى المذكورِ، كما أنَّ (إنَّ) لإثبَاتِ المذكورِ، وَهوَ مَردودٌ إذ يَلزمُ منهُ اجتماعُ التَيْ الصَّدَارةَ في صدرٍ وَاحدٍ، وَيلزمُ منهُ أيضًا دُخولُ (إنَّ) على حَرفِ النَّفي بحيثُ تُبْطِلُ النَّفيَ، وإلا يلزمُ أحدُ المحذورين: إمَّا اجتماعُ النَّقيضين أو ثبوُتُ الوَاسطةَ بينَ النَّفيِّ وَالإثباتِ وَهو مُحالٌ قطعًا، وقد اجتمعَتِ النُّحاةُ على أنَّ (مَا) لا تنفي إلا مَا دخلتْ عليهِ.

وَزعمَ بعضُ الكوفيينَ أنَّها اسمٌ مبهمٌ بمنزلةِ ضميرِ الشَّأنِ في التَّفخيمِ وَالإبهامِ، وفي أن الجملةَ المذكورةَ بعدَهُ مفسِّرَةٌ لهُ ومخبرٌ بهَا عنهُ.

كما زعَمَ بعضُ أهلِ الأصُولِ أنَّها زائدةٌ لمجرَّدِ الحُسنِ وزيادةِ التأكيدِ.

لكن لا يخفى

ص 29

عليكَ أنَّ أحسنَ هذه الأقوالِ هو القولُ/ الأوَّلُ، وعليهِ المحقِّقون.

المبحثُ الثَّاني: أنَّ العلماءَ قد اختلفُوا في أنَّها هَل تُفيْدُ القصرَ أو لا تُفِيْدُهُ؟ ثم اختلفَ القائلونَ بالإفادةِ؛ فقالَ بعضُهم أنَّها تُفيْدُهُ على سبيلِ المنطوقِ، كما قالَ بعضُهم أنَّها تُفْيْدُهُ على سبيلِ مفهومِ المخالفَةِ، احتجَّ القائُل بأنَّها لا تفيدُ القصْرَ بأنَّها لا تُفِيْدُ إلا التَّأكيدَ كـ (أنَّ) في نحوِ قولِكَ: (إنَّ زيدًا قائمٌ) وَ (مَا) زائدةٌ وجُودُها كعدمِهَا فيَكونُ فيها تأكيدٌ على تأكيدٍ لا يفيدُ القصرَ كما لا يفيدُهُ نحوَ قولِكَ: (واللهِ إنَّ زيدًا لقائمٌ) فلا

ص 30

يكون بينَهما فرقٌ، وأُجيبَ بالفرقِ بينَهما بأنَّ زيدًا قائمٌ للإخبارِ بقيامِ زيدٍ على وَجهِ التَّأكيدِ، وَإنَّما زيدٌ قائمٌ للإخبارِ بأنَّهُ قائمٌ لاَ قاعدٌ.

ونظيرُ هذا مَا جرَى بين أبي إسحاقَ المُتفلسِفِ الكنديِّ وَبينَ أبي العبَّاسِ المُبَرِّدِ النَّحويِّ؛ من أنَّ الكنديَّ قالَ لأبي العبَّاسِ: إنِّي أجدُ في كلامِ العَربِ حَشْوًَا، يَقولون: عبدُ اللهِ قائمٌ، ثم يقولونَ: إنَّ عبدَ اللهِ قائمٌ، ثم يقولون: إنَّ عبدَ اللهِ لقائمٌ، والمعنى واحدٌ، قالَ أبو العبَّاسِ ردًَّا عليهِ: ليسَ المعنى واحدٌ بل المعاني مختلفَةٌ، فقولُهم: عبدُ اللهِ قائمٌ، إخبارٌ عن قيامهِ، وقولُهم: إنَّ عبدَ اللهِ قائمٌ، جَوَابٌ عن سؤالِ سَائلٍ،

ص 31

وَقولُهم: إنَّ عبدَ اللهِ لقائمٌ، جَوابٌ عن إنكارِ مُنْكِرٍ، وقد أُجيبَ أيضًا بأنَّهُ إعادَةُ الدَّعوى بعبَارةٍ أوضحَ لا استدلالَ عليها، وَمعلوْمٌ عندَكَ أنَّ الدَّعوى بلا دليلٍ مردودَةٌ لا سيَّما هناكَ من يخالفُ، وَاحتجَّ القائلُ بأنَّها تُفيدُ القصرَ بالمنطوُقِ لأنَّها مُتضمِّنَةٌ لمعنى حَرفِ النَّفيِّ، وإلا فيكونُ قولُكَ: إنَّما زيدٌ قائمٌ، نحو قولكَ: مَا زيدٌ إلا قائمٌ.

فإن قلتَ: هذا إثباتُ اللُّغةِ بالقياسِ وَهوَ باطلٌ.

قلتُ: بل تنبيهٌ على/ الحكمِ الضَّروريِّ بالمثالِ بحيثُ لا يبقى مجالٌ للنِّزاعِ فيهِ.

فإنْ قلتَ: فكيفَ يكونُ محلُ النِّزاعِ؟

قلتُ: كخفائِهِ على بعضِ الأذهَانِ،

ص 32

وقد يقعُ النِّزاعُ في الضَّرورِيَّاتِ عنَادًا وَلعدَم تعقُّلِهَا على مَا هي عَليهِ في نفسِ الأمرِ.

فإِنْ قلتَ: الاحتجاجُ المذكورُ لا يَستلزمُ إفادَتَها إيَّاهُ بحسبِ الموضعِ فلا يتمُّ التَّقريبُ.

قلتُ: قد تمَّ التَّقريبُ بأنَّ حَاصِلَ مَا ذكرَ رَاجعٌ إلى الاستقراءِ التَّامِّ، وَلاشكَّ أنَّهُ كافٍ في ذلكَ؛ فإنَّ الاحتمالَ لا يدفعُ الظُّهورَ.

فإنْ قلتَ: إنَّما يتمُّ ذلكَ لو كان للمركَّبِ وضعٌ من حَيثُ أنَّهُ مُركَّبٌ، وَقد أنكرَ البَعضُ ذلكَ، وَأنكرَ جريَانَ المجازِ فيهِ بناءًا على ذلكَ.

قلتُ: المختارُ أنَّ للمركَّبِ وَضْعًا سواءٌ كان وضعًا نوعيًَّا أو بوضعِ الأجزاءِ للأجزاءِ، وَلهذا قالَ بَعضُ العُلماءِ

ص 33

أنَّها وضعَتْ لمعنى تفيدُ القصرَ، وَقد استدلَّ على ذلكَ باستعمالِ الفُصَحاءِ وَالنَّقلِ عن أئمةِ التَّفسيرِ والنَّحوِ على مَا قرَّرَ في مَوضعِهِ، لكن لا يخفى عليكَ أنَّ ذلكَ الاستدلاَلَ لا يَستلزمُ أن يكونَ ذلكَ بالمنطوقِ لجوازِ أن يكون ذلكَ بالمفهومِ، كدلالةِ التَّقديمِ بالمفهومِ، ولأجلِ هذا قالَ البعضُ أنَّها تُفيدُهُ بالمفهومِ، وأُجِيْبَ بأنَّهُ يستلزمُهُ ظاهرًا، وَالاحتمالُ لا يمنعُ الظُّهُورَ، وقد استدلَّ على ذلكَ بـ (إنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَاتِ) ، وَ (إنَّمَا الوَلاءُ للمُعْتِقِ) ، واعتُرِضَ عَلى ذلكَ بأنَّهُ يجوزُ أن يكونَ مُستفادًا من الاستغراقِ المفهُومِ من حَرفِ التَّعريفِ،

ص 34

وقد عَرفتَ أنتَ أنَّ الاحتمالَ لا يمنعَ الظُّهورَ، فكيفَ يمنعُهُ فإنَّهُ من لوازِمِهِ الظُّهُورُ.

فإن قلتَ: فكيفَ يُفيدُهُ وَقد صحَّ في بعض الرِّواياتِ: الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، بدُونِ لفظةِ (إنَّما) معَ إفادةِ القصرِ، فيكونُ من/ بابِ التَّأكيدِ لا من بَابِ التَّأسِيسِ.

قلتُ: إنَّ بَعضَ أئمَةِ الحديثِ قد أنكرَ هذه الرِّوايةَ، وَيُمكنُ أن يُقالَ أنَّها محذوفةٌ في هذهِ الرِّوَايَةِ جمعًا بين الرِّوايتينِ، وَلذلكَ قالَ بَعضُ المحَدِّثينَ: وَقعَ في (( صَحِيحِ ابن حبَّانَ ) )بلفظِ: بحذفِ (إِنَّمَا) وجمعِ الأعمالِ والنِّياتِ كما وَقعَ في بعضِ الرِّوَاياتِ: بجمعِ الأعمالِ وَإفرادِ النِّيَّةِ، وَكذا وَقعَ

ص 35

في بعضِهَا: بإفرادِ كلِّ واحدٍ منهُما، وَقد قيلَ أنَّ فيهِ قصرينِ: أحدُهُما يرجعُ إلى الذَّاتِ وَالآخرُ يَرجِعُ إلى التَّعَلُّقِ، وَبينَهُما فرقٌ، وَإن كانَ كلٌّ منهما يستلزمُ الأخرَ كما قيلَ: في الحمدِ للهِ اختصاصينِ أحدُهُما مُستفادٌ من حرفِ التَّعريفِ بمعُونَةِ المقامِ وَالفحوَى، وَثانيهُما مُستفادٌ من اللامِ في لله.

هذا واحتجَّ القائلُ بأنَّها تُفيدُهُ بالمفهومِ تدلِّ على نفي غيرِ المذكورِ آخرًا مثلُ: إنَّما زيدٌ قائمٌ، وَإنَّما القائمُ زيدٌ، وإنَّما ضربَ زيدٌ عَمرًا يَومَ الجُّمعةِ أمامَ الإمامِ الأميرِ قائمًا، وَالدَّليلُ عَلى أنَّهُ مفهومٌ لا منطوُقٌ هوَ الأمَارةُ: نحو جوَازِ إنَّما زيدٌ قائمٌ لا قاعدٌ بخلافِ ما زيدٌ إلا قائمٌ لا قاعدٌ، وَمَعلوْمٌ عندَكَ أنَّ المفهومَ

ص 36

هو مَا دَلَّ عليهِ اللَّفظُ لا في محلِّ النُّطقِ، كما أنَّ المنطوقَ هو مَا دَلَّ عليهِ في محلِ النطقِ.

ثم إنَّ المفهومَ إمَّا مفهومُ موُافقةٍ وَيُسْمَى فحوى الخطابِ وَإمَّا مفهومُ مخالفةٍ وَيُسَمَّى دَليلَ الخطابِ: فالأوَّلُ هو أن يكونَ المسكوتُ عنهُ مُوافقًا في الحكمِ للمذكورِ، وَالثَّاني هو أن يكونَ المسكوتُ عنهُ مخالفًا للمذكورِ في الحكمِ إثباتًا وَنفيًا، فظهرَ بهذا رجحَانُ مَذهبِ مَنْ قالَ أنها تُفيدُ بالمفهومِ، وَالتَّحقيقُ أنَّ القصرَ عبَارةٌ عن الحُكمينِ المختلفين/ إيجابًا وَسَلبًا، فمَنْ نظرَ إلى حكمِ المذكورِ بحيثُ يعتبرُ حكمَ غيرِ المذكورِ كالتَّبعِ لهُ، قالَ أنَّها تُفيدُهُ بالمفهومِ، وَإنْ كانَ مفهومُ الحصرِ بـ (إنَّما) لا يتمُّ إلا بهما جَميعًا، وَلكلِّ وَاحدٍ من القولينِ وَجهٌ وَجيهٌ،

ص 37

فاتَّبِعْ مَا هو جَليٌّ منهُما أو ابْتدعْ مَا سوَاهُما.

المبحثُ الثَّالث: هوَ أنَّ مَوضعَ (إنَّما) تجئُ فيهِ لخبرٍ لا يجهلُهُ المُخاطَبُ وَلا يُنْكِرُهُ، نحو قولِهِ تعالى: {إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ} [الأنعام:36] وَقولُهُم: إنَّما يعجَلُ من يخشى الفواتَ، أو لما ينزِلُ هذهِ المنزلَةَ نحو قولِ الشَّاعِر:

إِنَّمَا مُصْعَبٌ شِهَابٌ مِنَ اللهِ تَجَلَّتْ عَنْ وَجْهِهِ الظَّلْمَاءُ

فإن قلتَ: إذا كانت تجئُ لخبرٍ لا يجهلُهُ المخاطبُ ولا يُنْكِرُهُ لا يتصوَّرُ فيهِ معنى القصرِ، فإنَّ القصرَ مَا لهُ تقريرُ حُكْمِ صوَابٍ وردِّ حُكْمِ خَطئٍ.

قلت: لاَ نسلِّمُ اطِّرادَ ذلكَ في كلِّ قصرٍ، فإنَّ القصرَ الحقيقِّيَ يتمُّ بدونِ اعتبارِ ذلكَ، قالَ اللهُ تعالى:

ص 38

{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِيْنُ} [الفاتحة:5] سَلَّمْناهُ، لكنَّ المرادَ مِمَّا ذُكِرَ أنَّها تجئُ لخبرٍ من شأنِهِ أن لا يجهلُهُ المخاطَبُ وَلا يُنْكِرُهُ، حتَّى أنَّ إنكارَهُ يزولُ بأدنى تنبيهٍ لأنَّهُ لا يُصِرُّ عليه، قالَ السَّكَّاكِيُّ: وطريقُ إنَّما يَسْلُكُ مع المخاطبِ في مقامٍ لا يُصِرُّ على خطئِهِ أو يجبُ عليهِ أن يُصِرَّ على خطئِهِ، وَلهذا قيلَ: إن أحسنَ موَاقعِ (إنَّما) هوَ التَّعريضُ، نحو: {إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ} [الرعد:19] .

فإنْ قلتَ: قولُهُ صلى الله عليه وسلم: أيُّ قسمٍ هو من القسمينِ المذكورينِ؟

قلتُ: الظَّاهرُ أنَّهُ من قبيلِ القسمِ الأوَّلِ، وَيجوزُ أن يكونَ من قبيلِ القسمِ الثَّاني.

المبحثُ الرَّابعُ:

ص 39

أنَّها تفيدُ قصرَ الأفرادِ كما تُفيدُ قَصْرَ القلبِ بحسبِ اقتضاءِ المقامَ، نحو: إنَّما زيدٌ قائمٌ، وَقيلَ أنَّها/ تُفيدُ قصرَ القلبِ فقط، وَالأوَّلُ أولى وَأظهرُ وَإنْ كانَ الثَّاني أكثرُ وَقوعًا في الاستعمالِ، وَقيلَ: المرادُ منهُ أنَّها تفيدُ قصرَ القلبِ فقط على وَجهِ الأولويَّةِ، كما أنَّها تفيدُ قصرَ الأفرادِ على وَجهِ مجرَّدِ الجَّوازِ.

فإنْ قلتَ: فكيفَ يُتصوَّرُ فيها قصرُ القلبِ؛ فإنَّ أصلَها أنْ يجئ لخبرٍ مُسَلَّمِ الثُّبوتِ عندَ المخاطَبِ تحقيقًا أو تقديرًا.

قلتُ: قد عرفتَ الجَّوابَ عنهُ بوجهينِ آنِفًَا.

فإنْ قلتَ: قولُهُ عليهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ: هَل هوَ من قبيلِ

ص 40

قصرِ القلبِ أم من قبيلِ قصرِ الأفرادِ؟

قلت: الظَّاهرُ أنَّهُ من قبيلِ الأوَّلِ، ويجوزُ أن يكونَ من قبيلِ الثَّاني.

فإنْ قلتَ: هل يجوزُ إفادَةُ القصرِ خاليًا عنهمَا؟

قلتُ: ذلكَ جَايزٌ بل وَاقعٌ، بل ظاهِرٌ، بل أسلمُ لَدَي أهلِ الذَّوقِ وَالإنصافِ سَالكًا في مسَالكِ الرُّشدِ هَاربًا عن تَكَلُّفِ الاعتسَافِ.

فإنْ قلتَ: فأيُّهما المختارُ عندَكَ أهو بطريقِ المفهومِ.

قلتُ: الظَّاهرُ أنَّهُ بطريقِ المفهُومِ وَإليهِ ذهبَ أكثرُ أهلِ الأصُولِ، وَيجوزُ أن يكونَ بطريقِ المنطوقِ كما يجوزُ أن يكونَ مركَّبًا منهما على مَا عرفتَ.

ص 41

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت