قلتُ: نعم، فإنَّ العَملَ يكونُ حَاصلًا باختيارِ
ص 106
العَبْدِ وَكَسْبِهِ كما يكونُ حَاصلًا بإيجَادِ اللهِ تعالى، فيكونُ العَمَلُ مقدُورًا للهِ بجهَةِ الإيجادِ وَمقدورًَا للعبدِ بجهةِ الكسبِ والاختيَارِ، فظهرَ صِحَّةُ التَّكليفِ بهِ، فعُلِمَ من هذا سقوطُ قولِ من قالَ أنَّ المُكلَّفَ بهِ لا يَجوزُ أن يكونَ نفسَ المأمُورِ بهِ وَلاَ وجودَ المأمُورِ لكونِهِمَا غيرَ مندوُرينَ، وَلا يجوزُ أن يكونَ تحصيلُ المأمورِ بهِ لإفْضَائِهِ إلى التَّسلسُلِ، كما لا يجُوزُ أنْ/ يكونَ أعمَّ لكونِهِ غيرَ مَعقولٍ وَغيرَ مقدورٍ أيضًا، فالشُّبْهَةُ الوَاردَةُ عليها واردَةٌ عليهِ.
فإنْ قلتَ: فهل يجوزُ التَّكليفُ بالعملِ بمعنى إيقاعِ العَملِ وَتحصيلِهِ، كما جَازَ التَّكليفُ بمعنى الوقوعِ وَالأثرِ؟.
قلتُ:
ص 107
نعم، بل هوَ الظَّاهرُ المُتبادَرُ من قولِهِ تَعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [البقرة:43] .
فإنْ قلتَ: لو كانَ إيقاعُ العملِ مَأمُورٌ بهِ لكانَ عملًا لغةً كسَائرِ الأعمالِ، فيَقتضي إيقاعًا آخرَ وَهلمَّ جرًَّا؛ فهو إمَّا أن يعودَ أو يذهبَ إلى غيرِ النِّهايَةِ وَكلُّ وَاحدٍ منهُما محال /، وَلهذا قالَ أكثرُ أهلِ الأصُولِ: لا تكليفَ إلا بالفعلِ.
قلتُ: لا نُسَلِّمُ أنَّهُ يقتَضي إيقاعًا آخرَ، غايةُ ما في البابِ أنَّهُ يقتَضي التَّوجُّهَ وَالقصدَ إليهِ، على أنَّا نقولُ: هذا الاعتراضُ مَا سَقطَ من أصلِهِ فإنَّهُ قدحٌ في الأمرِ المعلومِ بشهادةِ استعمالِ اللُّغةِ وَبتقديرِ الشَّرعِ وَبحكمِ الوجدانِ بصحَّتِهِ، لا سيَّما أنَّهُ في الحقيقةِ من الوَجْدِ إثباتُ التي لا
ص 108
سَبيلَ إليها من جهَةِ العقلِ وَالبرهَانِ، ألا ترى أنَّ نسبةَ الإيقاعِ إلى الوُقوعِ في نحوِ قولِكَ: اضربْ زيدًا، كنسبَةِ التَّسريرِ إلى البِشارةِ في قولِكَ: بشِّرْ عُمَرًَا، فكما أنَّ الثَّاني مستقيمٌ بلا شبهةٍ فكذا الأوَّلُ، فظهرَ ممَّا ذُكِرَ أنَّ ليسَ المرادَ من قولِهِم لا تكليفَ إلا بالفعلِ اختصاصُ تَعَلُّقِهِ بأمرٍ يمكِنُ أن يوجدَ وُجودًا عَيْنِيًَّا، كما يتبَادَرُ الفهمُ إليهِ، بل المرادُ من اختصاصِ تعلُّقِهِ بالفعلِ هوَ اختصَاصُ تَعَلُّقِ التَّكليفِ بأمرٍ لو عَرَضَ على موَاردِ استعمالِ اللُّغةِ، وعلى مجَازِ العُرْفِ وَالعُادةِ لتقلَّتهُ/ بالقبولِ، وَهذا وإنْ كانَ صرفُ الكلامِ عن ظاهرِهِ لكنَّهُ تحقيقُ مناطِ التَّكليفِ
ص 109
وَالخطابِ، وَلا يخفى عليكَ أنَّ تحقيقَ كُلِّ أمرٍ إنَّما هوَ بحسَبِ حَالِهِ وَاعتبارِ أمرٍ يُناسبُهُ، ومن النَّاسِ من يقولُ أنَّ التَّكليفَ بنفي الفعلِ لما صحَّ في صُورةِ النَّهيِّ عندَ البَعضِ، فتَعَلُّقُ التَّكليفِ بإيقاعِ العملِ الذي هوَ من قبيلِ الحالِ عندَ القائلين بها أولى بالجَّوَازِ من تَكَلُّفِهِ بنفي الفعلِ، فإنَّها فوقَ المعدُومِ دونَ الموجُودِ، هذا وَإنَّ الإيقاعَ من حَيثُ النَّظر إلى أنَّ الغرضَ منهُ هو الوقوعُ مُتَّحِدٌ بالوُقوعِ، فكانَ التَّكليفُ المتعلِّقُ بالإيقاعِ هو التَّكليفُ المُتعلِّقُ بالهيئةِ المخصُوصَةِ التي تُحَقَّقُ في الخارجِ، إلا أنَّ الإيقاعَ مُضافٌ إلى النَّفسِ والفاعلِ، والوقوعُ
ص 110
مضافٌ إلى المحلِّ وَالقابلِ، ونظائرُ هذا كثيرةٌ نحو الحركةِ وَالتَّحريكِ وَالتَّعلُّمِ وَالتَّعليمِ وَالتَّطهُّرِ وَالتَّطهيرِ والتَّسَخُّنِ وَالتَّسخينِ، إلى غيرِ ذلكَ، وَعُلِمَ منهُ أيضًا أنَّ قولَ من قالَ: الأعمالُ حركاتُ البدَنِ وَتتجوَّزُ بها عن حَرَكاتِ النَّفسِ، محمولٌ على التَّسَاهُلِ وَالمسَامحَةِ وَإيماءٌ إلى مآلِ أكثرِ الأعمالِ، وَإلا فأعمالٌ أعمُّ منهُما كمَا ترى.
فإنْ قلتَ: هلِ السُّكونُ من قبيلِ الأعمالِ؟.
قلتُ: الظَّاهرُ أنَّهُ منهُ، وَنظيرُهُ التَّركُ على مَا عُرِفَ.
فإنْ قلتَ: هلِ الأعَمالُ منحصرَةٌ في الحرَكَةِ وَالسُّكونِ؟.
قلتُ: الظَّاهرُ أنَّها لا ينحصرُ فيهما، نظرًا إلى موَاردِ استعمالِ
ص 111
اللُّغةِ؛ فإنَّ التَّحريكَ ليسَ بحركةٍ والتَّسكينَ ليسَ بسكونٍ، مَعَ أنَّهُما عملُ لغةٍ مثلًا، وَأمَّا قولُ من قالَ: الأفعالُ إمَّا حركاتٌ أو سكناتٌ فمحمولٌ عَلىَ الأكثرِ، وَقد يُقالَ: الأفعالُ أخصُّ من الأعمالِ كما قيلَ أنَّهُ/ مُؤوَّلٌ بأنَّ الأعمالَ إمَّا حركاتٌ ابتداءً أو انتهاءً، وُكذا السَّكناتُ، لكنَّهُ تأويلٌ بعيدٌ كما ترى.