فهرس الكتاب

الصفحة 19 من 19

البَابُ الثَّالثُ: في بيَانِ خاتِمَةِ هذا الحديثِ، أعنِي قولَ النَّبِيِّ صَلى الله عليه وسلم: إلخ.

أقولُ: الوَاوُ للعَطفِ وَالمعطوفُ عليهِ: وَالمناسبَةُ بينَهُما ظاهرةٌ.

فإنْ قلتَ: هَلْ فَرَّقَ بينَ القصرينِ الوَاقعين فيهما؟

قلتُ: نعم، فإنَّ الأوَّلَ/ قد أفادَ قصرَ الأعمالِ على النِّيَّاتِ، كما أنَّ الثَّاني قد أفادَ قصرَ المنويَّاتِ على أصحابِ النِّيَّاتِ؛ بدلالةِ فحوى الكلامِ وَشهادَةِ الذَّوقِ السَّليمِ.

فإن قلتَ: أليسَ هذا مخالفًا لما تقرَّرَ في علمِ المعانِي من أنَّ (إِنَّمَا) تفيدُ القصرَ على المذكورِ آخِرًَا؟

قلتُ: لا، فإنَّ المبتدَأَ هوَ الأوَّلُ لفظًا أو تقديرًا، كما أنَّ الخبرَ هوَ الثَّاني كذلِكَ، وَلا يخفى عَليكَ أنَّ (مَا نوى) مبتدَأٌ، و (لكلِّ امرئٍ) خبرٌ قُدِّمَ عليهِ لمجرِّدِ الاهتمامِ به، وَلكونِهِ نُصْبَ العينِ ومَطْمَحَ النَّظَرِ والاعتبارِ، فيكونُ المقصُور عليهِ ههُنا هوَ المذكورُ آخرًَا تقديرًا، وَيجوزُ أن يكونَ المعنى الحاصِلُ لكلِّ إمرئٍ مقصورٌ على منويِّهِ لا يتعدَّى إلى غيرِ منويِّهِ، فاستقامَتْ القاعِدَةُ البيانيَّةُ بلا احتياجٍ إلى التَّأويلِ المذكورِ، لكنَّهُ بعيدٌ من المرامِ المعَلومِ من الكلامِ، وقيلَ: هذا القولُ قصرانِ أحدُهُما مُستفادٌ من (إنَّما) وَالآخرُ مُستفادٌ من فحوى الكلامِ.

فإن قلتَ: قد ظهرَ

ص 135

مَما ذُكِرَ أنَّ مقتضى هذا الحديثِ أنَّ مَا نواهُ المرءُ يَحصُلُ لهُ وَمَا لم ينوِهِ لا يحَصُلُ لهُ، فما المرَادُ من الحَصُولِ وعدَمِهِ ههُنا؟

قلتُ: المرَادُ منهُ ههُنا هوَ الحصُولُ وَعدمُهُ بالنِّسبَةِ إلى الشَّرعِ، وَإلا فالعَملُ قد يحصُلُ حِسًَّا بدُونِ النِّيَّةِ، لكنَّهُ غيرُ حاصلٍ ومُعَتَدٍّ بهِ شرعًا بشهَادِةِ قولِ النَّبيِّ صَلى الله عليه وسلم: إلى آخرِهِ، فعُلِمَ من هذا أن متعلَّقَ الظَّرْفِ المُستقرِّ في الحديثِ الأوَّلِ هُوَ الحصُولُ الشَّرعيُّ.

فإن قلتَ: فهل يمنعُ هذا الحديثُ الاستنابَةَ في النِّيَّةِ؟

قلتُ: يمنعُ في عملٍ دونَ عملٍ، وذلكَ لأنَّ العبَادَاتِ أنواعٌ:

ص 136

مَاليَّةٌ تُحصرُ كالزَّكاةِ،/ وَبدنيَّةٌ محضَةٌ كالصَّلاةِ، ومُرَكَّبَةٌ منهُما كالحَجِّ، وَالنِّيابَةُ تجري في النَّوعِ الأوَّلِ في جانِبي الاختيارِ والضَّرورةِ بحصولِ المقصُودِ بفعلِ النَّائِبِ، وَلا يجري في النَّوعِ الثَّاني بحالٍ؛ لأنَّ المقصُودَ وَهو إتعابُ النَّفسِ لا يحصُلُ بهِ، وتجري في النَّوعِ الثَّالثِ عندَ العجزِ نظرًا إلى المشقَّةِ بتنقيصِ المالِ، وَلا تجزئُ عندَ القدرَةِ لعدَمِ إتعابِ النَّفسِ، ثم الظَّاهِرُ أنَّ الحجَّ يقعُ عن المحجوجِ عنهُ بشهادَةِ حَديثِ الخثعمية فإنَّ النَّبيَّ صَلى اللهُ عليه وسلم، قالَ فيهِ: .

فإنْ قلتَ: منطوقُ هذا الحديثِ يُخالِفُ مفهومَ حديثِ: ؛ فإنَّهُ أفادَ حصُولَ المنويِّ لغيرِ النَّاوِي، وَمعلومٌ عندَكَ أنَّ للنِّساءِ حكمُ الرِّجَالِ في مثل هذا المقامِ على مَا عَرَفْتَ في موضعِهِ.

قلتُ: أوَّلًا: إنَّ المفهومَ لا اعتبارَ لهُ في الأحكامِ عندَنا لا سيَّما عندَ مخالفَةِ المنطوُقِ.

وثانيًا: إنَّ النِّيابَةَ لما كانَتْ بتشريعِ الشَّارعِ كانَتْ النِّيَّةُ الصَّادِرَةُ عن النَّائِبِ مُضافةً إلى المنويِّ عنهُ، فيكونُ المنوبُ عنه ناويًا حُكمًا.

هذا وَرُويَ عن محمدٍ رَحمَهُ اللهُ أنَّ الحَجَّ يقعُ عن الحاجِّ وللأميرِ ثوابُ النَّفقَةِ لأنَّهُ عبادةٌ بدنيَّةٌ، وعندَ العجزِ أُقِيْمَ الإنفاقُ مَقامَهُ كالفديَةِ في بَاب الصَّومِ.

فإنْ قلتَ:

ص 138

كانَ السُّؤالُ سُؤالًا عن الاستنابَةِ في النِّيَّةِ لا عن الاستنابةِ في المنويِّ، وَصَارَ الجَّوابُ جَوَابًا عن الثَّانِي لا عن الأوَّلِ فلا يتمُّ التَّقريبُ.

قلتُ: قد حَصَلَ التَّقريبُ؛ فإنَّ الاستنابَةَ/ في النِّيَّةِ من لوَازِمِ الاستنابَةِ في المنويِّ، وَالآمرُ الرَّجلُ وَكذا المرءُ، قالَ اللهُ تَعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ} [الأنفال:24] وَيُقالُ أيضًا في التَّأنيثِ: امرأةٌ وامرأةٌ، و (ما) في (ما نوى) اسمٌ مَوصُولٌ يجوزُ أنْ يكونَ حرفًا مصدريًَّا.

فإنْ قلتَ: فهل في هذا الحَديثِ فايدةٌ بَعدَ ذكرِ حَديثِ: (إِنَّمَا الأَعْمَالُ) معَ أنَّهُ يقتضى التَّعميمَ؟.

قلتُ: نعم، فإنَّ في هذا

ص 139

الحَديثِ بيانًا لمقصُودِ الحديثِ الأوَّلِ وتنبيهًا على اشتراطِ تعيينِ النِّيَّةِ في فرضِ الصَّلاةِ مثلًا، وعلى جَوازِ عدمِ النِّيَابَةِ فيها على مَا عرفْتَ آنفًا.

هذا وَإنَّ الفاءَ في قولِ النَّبيِّ صَلى الله عليه وسلم: فاءُ التَّفسيرِ وَالتَّفريعِ، فإنَّ هذا الحَديثَ مُتَفَرِّعٌ على ما قبلَهُ وَمُفَسِّرٌ ومُنقسمٌ لهُ، وهذهِ الفاءُ الفصيحَةُ المشهُورةُ عندَ أهلِ البيانِ، وَقيلَ: هذهِ الفاءُ هي فاءُ جرِّ شرطٍ مَقدَّرٍ، أي: وَإذا كانَ الأعمالُ بالنِّيَّاتِ وَكانَ لكلِّ إمرءٍ مَا نوى، فمَنْ كانتْ هجرتُهُ إلى اللهِ وَرسوُلِهِ، أي من قَصْدَ بالهجرةِ القربَةَ إلى اللهِ تعالى لا يُخالِطُها بشيءٍ

ص 140

من أعراضِ الدُّنيا فهجرتُهُ إلى اللهِ وَرسُولِهِ.

ثمَّ إنَّ الهجرةَ في اللُّغةِ هي التَّركُ، قالَ الجَّوهريُّ: يُقالُ هَجَرَهُ هَجْرًَا وَهَجَرَنَا، وَالاسمُ الهجرةُ، والمهاجرَةُ من الأرضِ إلى الأرضِ تركُ الأولى للثَّانيةِ. انتهى.

وهي في الشَّرعِ: مُفِارقَةُ دَارِ الكفرِ إلىَ دَارِ الإسلام، وَفي الحقيقةِ مُفارقَةُ مَا يكرهُ اللهُ إلى مَا يُحبُّ، وَوَقعتِ الهجرةُ في الإسْلاَمِ على خمسةِ/ أوجهٍ:

أحدُهَا: إلى الحبشةِ عندَمَا آذى الكُفَّارُ الصَّحابَةَ، وَكانتِ الهجرةُ مُباحةً.

الثَّانية: من مكَّةَ إلى المدينَةِ عندَ مهاجرَةِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم اليها، وَفي هذهِ الهجرَةِ نزلَ قولُهُ تعالى:

ص 141

{وَالَّذِينَ آمَنُوْا وَلَمْ يُهَاجِرُوْا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوْا} [الأنفال:72] وَكانتْ وَاجَبةً على من خافَ عَلى نفسِهِ وَابنِهِ وَهو قادرٌ على الخرُوجِ بأهلِهِ وَمَالِهِ بهذهِ الآيةِ، ومُسَتَحَبَّةٌ على من أَمِنَ على نفسِهِ، وَقيلَ: أنَّ هذهِ الهجرةُ كانَتْ مُستحبَّةً على غيرِ أهلِ مكَّةَ، ولم يكنْ فرضًا.

أقولُ: أمَّا الهجرةُ الباقيةُ إلى يومِ القيامةِ من دارِ الكُفرِ إذا لم يمكنْهُ إظهَارُ دينِهِ إلى دارِ الإسْلامِ، فينبغي أن تكونَ مُلْحَقَةً بالهجرةِ الثَّانيةِ وَلا ينبغي أنْ تُعَدَّ سَادسةً تقليلًا للأقسامِ وطلبًا للضَّبطِ وهربًا عن الانتثارِ.

الثَّالثةُ: هجرةُ القبائلِ إلى رسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم قبلَ الفتحِ للاقتباسِ منهُ، كوفدِ عبدِ القيسِ

ص 142

وَغيرِهم، ثم يرجعُونَ إلى مِوَاطنِهم ويعلِّمُونَ قومَهم.

الرَّابعةُ: هجرةُ من أسلمَ من أهلِ مكَّةَ ليَأتي إلى النَّبيِّ صَلى الله عليه وسلم ثم يرجعُ إليها.

الخامِسَةُ: هجرةُ مَا نهى اللهُ عنهُ، أشارَ إليها النَّبيُّ صَلى الله عليه وسلم بقولِهِ عليهِ السَّلامُ: وهذهِ هي الهجرةُ العُظمى التي اندرجَ جميعُ الأقسامِ تحتَها، وفيهِ فائدةٌ ترجِعُ إلى المهاجرينَ لئلا يتكلَّمُوا على نفسِ الهجرَةِ فبيَّنَ لهمُ النَّبيُّ/ صلى الله عليه وسلم أنَّ الهجرَةَ التَّامَّةَ الكامِلَةَ هي هجرانُ الفواحشِ، ففيهِ

ص 143

تخصيصٌ على التزامِ الطَّاعَةِ وعدمِ الاغترارِ بالهجرةِ، وَحثٌّ على الجدِّ في الفضائلِ وأن لا يعتمدُوا على الهجرةِ ويتركُوا العملَ، وفيهِ فائدةٌ ثانيةٌ ترجِعُ إلى من لم يُهاجرْ وَهوَ إيناسٌ لهم وَتُبَيِّنُ أنَّ سبيلَ الخيرِ باقيةٌ وأعمالُ الطَّاعَاتِ مُتلاحِقَةٌ، وَأنَّ اسمَ الهجرةِ باقٍ في شأنِهِم عندَ هجرَانِ المحارِمِ، وجميعُ مَا نهىَ اللهُ عنهُ بل هوَ أعظمُ هجرةً وأكثرُ فضيلَةً.

فإنْ قلتَ: فأيُّ هجرةٍ مرادَةٍ منها في قولِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: ؟.

قلتُ: الظَّاهرُ أنَّ المرادَ منها ههُنا هي الهجرَةُ المُطْلَقَةُ،

ص 144

أي من تركَ مَا كَرِهَ اللهُ وَرسُولُهُ متوجِّها ً إلى مَا رَضِيَ اللهُ بهِ وَرسُولُهُ.

فإنْ قلتَ: إنَّ لفظةَ (كانت) إنْ كانَتْ باقيةً في المضيِّ فلا يُعْلَمُ أنَّ الحكمَ بعدَ صدورِ هذا الكلامِ من الرَّسُولِ عَليه الصَّلاةُ والسَّلامُ كذلكَ أم لا، وإنْ نُقلَتْ بسببِ تضمينِ (من) لمعنى الشَّرطِ إلى معنى الاستقبالِ فبالعكسِ فبالجُّملَةِ الحكمُ إمَّا للماضي أو للمستقبلِ.

قلتُ: يجوزُ أنْ يُرَادَ بهِ أصلُ الكونِ أي وُجودُ المُطلقِ من غيرِ تقييدٍ بزمَانٍ من الأزمنَةِ الثَّلاثِ، كما يجوزُ أنْ يُرادَ بهِ أحدُهما وَيعلمَ حكمَ الآخَرِ دلالةً أو قياسًا أو إجماعًا، على أنَّ أحكامَ المكلَّفينَ

ص 145

مستويةُ الأبعَاضِ، وَيُقوِّيهِ هذا الحَديثُ: ، وقد تقرَّرَ في الأصُولِ أنَّ وَاضِعي القواعِدِ إذا ذكرُوا حُكمًا بلا تفصيلٍ يُفهَمُ منهُ قصدُهُم العمومَ، وجعلُ ذلكَ قاعدةً كليَّةً وَإنْ لم يكنِ اللَّفظُ صَريحًا في العمومِ كالنَّكرَةِ في سَياقِ الإثباتِ، نحوَ: تمرةٌ خيرٌ من جرَادَةٍ،/ وَكالفعلِ المُثبَتِ لقولِ النَّبيِّ صَلى الله عليه وسلم: وكقولِ الرِّاوي لفعلِ النَّبيِّ صَلى الله عليه وسلم: .

فإنْ قلتَ: فهل كانَ في قولِ النَّبيِّ صَلى الله عليه وسلم: تَامَّةٌ أو نَاقصَةٌ؟.

قلتُ:

ص 146

الظَّاهرُ أنَّها تامَّةٌ بشهادَةِ معنى الكلامِ بذلكَ، وبدلالةِ مضمُونِ الجَّزاءِ عَليهِ، ويجوزُ أن تكونَ ناقصةً، فالجَّارُّ مَعَ المجرورِ في الشَّرطِ يكونُ متعلَّقًا بالهجرةِ على الاعتبارِ الأوَّلِ، كما يكونُ خبرُ كانَ على الاعتبارِ الثَّانِي.

فإنْ قلتَ: فأيُّ الاعتبارينِ أولى؟.

قلتُ: الاعتبارُ الأوَّلُ أولى.

فإنْ قلتَ: فَبِمَ يتعلَّقُ الجَّارُّ والمجرورُ في الجزاءِ؟.

قلتُ: الظَّاهِرُ أنَّهُ يتعلَّقُ بالهجرَةِ في الجَّزاءِ بشهادَةِ فحوى الكلامِ.

فإنْ قلتَ: فأينَ الخبرُ حينئذٍ؟.

قلتُ: الخبرُ محذوفٌ بقرينَةِ

ص 147

الشَّرطِ، أي فهجرَتُهُ إلى اللهِ ورسولِهِ كانَتْ، على أنَّها تامَّةٌ وأما تقديرُ الخبِر المحذوفِ ههُنا مقبُولةٌ فهوَ غيرُ مقبولٍ لغةً ولفظًا؛ لعدَمِ القرينَةِ الدَّالَّةِ عليهِ وإنْ كانَ مقبولًا عقلًا، لكنَّ الوَاجِبَ على المتكلِّمِ رعَايَةُ خصُوصيَّةِ حَقِّ المقامِ وإعطاءِ كُلِّ مَقامٍ حَقَّهُ.

فإنْ قلتَ: فهَل يجوزُ أنْ يكونَ الجَّامِعُ المجرورُ في الجَّزاءِ ظرفًا مستقرًَّا خبرًا للمبتدأ؟.

قلتُ: نعم، لكنَّ الاعتبارَ الذي اخترتهُ أظهرُ وأنسبُ.

فإنْ قلتَ: الشَّرطُ سَبَبُ الجَّزاءِ، وَالسَّببُ غيرُ المُسَبَّبِ، وَقد اتَّحدا ههُنا، فلا يفيدُ الكلامُ بَل لا يصحُّ.

قلتُ: مَا اتَّحدَا

ص 148

ههُنا معنىً فإنَّ الجَّزاءَ يُقصَدُ بهِ في بعضِ المواضِعِ الاعتدادُ والاعتناءُ بهِ وبيانُ الشُّهرَةِ وَعدَمُ التَّغيرِ وَالبقاءِ، كما يُقْصَدُ بالخبرِ المفردِ ذلكَ، فيفيدُ/ الكلامُ فائدةً معتدًَّا بها، وإنْ وَقعَ الاتحادُ لفظًا كقولِكَ: هو هوَ، وكقولِ أبي النَّجمِ:

أنَا أَبُوْ النَّجْمِ وَشِعْرِي شِعْرِي

أي: شعرِي الآنَ على مَا ثبتَ في النُّفوسِ من جزالتِهِ وَالتَّوصُّلِ بهِ من المرادِ إلى غايتِهِ، وَكقولِكَ: من قَصَدنِي فقَدْ قَصَدَنِي، أي فَقَدْ قَصَدَ من عَرِفَ نجاحَ قاصِدِهِ، ومنهُ قولُ النَّبيِّ صَلى الله عليه وسلم: وَقيلَ:

ص 149

التَّقديرُ أنَّ من كانَتْ هجرتُهُ إلى اللهِ ورسولِهِ، أي فهجرتُهُ مقبولَةٌ عندَهما وَأجرُهُ على اللهِ.

هذا، وَإنَّ قولَهُ عليهِ السَّلامُ: .. إلى آخرِهِ، عطفٌ على قولِهِ عليهِ السَّلامُ: وقد عرفْتَ هناكَ تفصيلَ كانَ وَالهجرةَ ومتعلَّقَ المجرورِ فلا حَاجَةَ إلى الإعادَةِ ههُنا.

فالدُّنيا بضمِّ الدَّالِ على المشهُورِ، وَقد حكى ابنُ قتيبةَ وغيرُهُ كسرَها أيضًا، وجمعُها دُنَى ككُبرى وكُبَرْ، وهي مَأخوُذةٌ من قولِكَ دَنَوْتُ، وسُمِيِّتْ دُنيا لدُنُوِّها وسبقِها، وَقيلَ: لدُنوِّها إلى الزَّوالِ أو إلينا أو لدَنَائَتِهَا وخِسَّتِهَا.

وَفي

ص 150

هذا بحثٌ ظاهِرٌ من حيثُ الاشتقَاقِ وَإن كانَ صحيحًا من حَيثُ النَّظرِ إليها، وَإلى حَالِها، وَيُنْسَبُ إليَها دُنيويٌّ، وقالَ الجَّوهريُّ: دنياويٌّ، وهي تأنيثُ الأدنى، ثم غلبَتْ على هذهِ الدَّارِ، فيُقَدَّرُ موصُوفها الدَّارُ، وَقيلَ: يُقَدَّرُ الحيَاةُ، أي الحيَاةُ الدُّنيا، ودُنيا كحُبلى مقصورٌ غيرُ مُنَوَّنٍ على المشهورِ.

وأمَّا من روى: دُنيًا منوَّنًَا هَهُنا فلاَ اعتدَادَ بروَايَتِها عندَ الثِّقَاةِ، فيكونُ إعرابُها تقديريًَّا كالعَصَا وَالرَّحى في الأحوَالِ الثَّلاثِ، وَلكنَّ التَّقديرَ ههُنا تقديريٌّ: النَّصبُ وَالفتحةُ، ثم غلبَتْ عَليها/ الاسميَّةُ، فمَنْ نظرَ إلي الوَصفيَّةِ الأصليَّةِ على مذهبِ سيبويه، قالَ: إنَّ علَّةَ منعِ

ص 151

الصَّرفِ فيها أمرَانِ: الوصفيَّةُ الأصليَّةُ وَلزومُ حرفِ التَّأنيثِ، ومن نَظَرَ إلى الغلبَةِ الإسميَّةِ على مَا هو مذهبُ غيرِهِ، قالَ: إنَّ عِلَّةَ مَنْعِ التَّصرُّفِ فيها لزومُ التَّأنيثِ، وَهوَ قائمٌ مَقامَ العِلَّتينِ، فمَنْ حملَ ههُنا القولَ الأوَّلَ على السَّهوِ فقد سَهى سهوًا ظاهرًا، فعُلِمَ من هذا سُقوطُ قولِ من قالَ ههُنا أنَّها أفعلُ التَّفضيلِ، وأفعلُ التَّفضيلِ لا يَخلوا عن أحدِ الاستعمالاتِ الثَّلاثِ فكانَ حَقُّهَا أن تُستعمَلَ باللامِ كالكُبرى وَالحُبلى.

هَذا ثمَّ إنَّ النَّاسَ قد اختلفُوا في حَقيقَةِ الدُّنيا على قولينِ أظهرُهُما أنَّ الدُّنيا هي جميعُ المخلوقاتِ من الجَّوَاهرِ وَالأعراضِ، وقولُهُ: الموجودَةُ قبلَ

ص 152

الدَّارِ الآخرةِ، وَنظيرُ هذا الاختلافِ هو الاختلافُ في حَقيقَةِ العَالَمِ، لكنَّ العَالَمَ أعمَّ لتناولِهِ على مَا سوى اللهِ من الجَّواهِرِ وَالأعراضِ مُطلقًا، بخلافِ الدُّنيا.

وقولُهُ: (يُصِيْبُهَا) جملةٌ فعليَّةٌ، مجرورَةُ المحلِّ على أنَّها صفةٌ لدُنيا، والمرادُ من أصَابَتِها ههُنا هوَ الوُصُولُ.

وأقولُ: هذا من قبيلِ الاقتصَارِ على المقصَدِ الأعلى، وَإلا فالمناسبُ للإصابَةِ أن يُقالَ: المرادُ منها ههُنا هوَ التَّحصيلُ، و (أو) حرفُ عَطفٍ، وَ (امرأة) مجرورةً بـ (إلى) ، معطوفَةً على (دُنْيَا) .

قولُهُ: (يَتَزَوَّجُهَا) جملةٌ فعليَّةٌ مجرورةُ المحلِّ، على أنَّها صفةُ (امرَأةٍ) ، وَالتَّزوُّجُ

ص 153

هو النِّكاحِ كما جاءَ: في الرِّوَايَةِ الأُخرى.

فإنْ قلتَ: فَلِمَ اخْتيرَتْ (أو) ههُنا على الواوِ؟.

قلتُ: للتَّنبيهِ على كونِ الإمراةِ مقابلةً لجميعِ الدُّنيا على حِيالِها، فكأنَّها نوعٌ آخرُ لا تدخلُ تحتَ الدُّنيا/ لكونِهَا مظنَّةَ الفسادِ وَالفِتنَةِ على مَا مرَّ تقريرُ ذلكَ في آخرِ البابِ الأوَّلِ، معَ كونِ استعمالِ (أو) أوفى بتأديَةِ حقِّ المقامِ، فإنَّ المقامَ مَقامُ ذمِّ الدُّنيا وَالمرأةِ، ومعلومٌ عندَكَ أنَّ طلبَ إحداهُما إذا كانَ قبيحًا وطلبَ كلتَيهما يكونُ أقبحَ.

فإنْ قلتَ: لِمَ أعادَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم مَا بعدَ الفاءِ الوَاقِعَةِ جوابًا للشَّرطِ بلفظِ الأوَّلِ، أعني قولَهُ:

ص 154

معَ أنَّ المقامَ مَقامُ الإضمارِ لا مقامُ الإظهَارِ؟.

قلتُ: لزيادَةِ التَّمكُّنِ، قالَ اللهُ تعالى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) } [الإخلاص:1، 2] ، {وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ} [الإسراء:105] ، ولكونِ المقامِ مقامَ البسطِ والابتهاجِ وَالاستلذاذِ وَالإرشادِ وَالتَّنشيطِ وَالتَّرغيبِ في ذِكْرِ اللهِ ورسُولِهِ صريحًا، وَللاحترازِ عن الجَّمعِ بين ذِكْرِ اللهِ ورسولِهِ في صيغَةِ التَّثنيةِ في مقامِ الإطنابِ.

فإنْ قلتَ: فَلِمَ لَمْ يُعِدْهُ في قولِهِ: بل قالَ: ؟.

قلتُ: للتَّنبيهِ على صونِ اللِّسَانِ عن ذِكْرِهِما صَريحًا

ص 155

ص 156

ص 157

بدُونِ الضَّرورةِ وَالاحتياجِ إليهِ، وعلى الغَضِّ عنهُما وَللتَّرهيبِ والتَّنفيرِ عنهُما، وَالتَّثبيطِ عن الاهتمامِ بِهِمَا؛ ولأجلِ هذا قد أَتى ههُنا بالاسمِ الموصُولِ الدَّالِ على التَّهويلِ والتَّحقيرِ بِحالِهِمَا بمعوُنَةِ المقامِ وفحوى الكلامِ.

فإنْ قلتَ: فَلِمَ ذَكَرَهَا صريحًا في الشَّرطِ في قولِهِ عليهِ السَّلامُ: ؟.

قلتُ: لكونِ المقامِ مقامَ الإظهارِ مع ضرورةِ الاحتياجِ إلى ذِكْرِهما صريحًا، ليظهَرَ الغرضُ المتعلِّقُ بِهِمَا ظهورًا تامًَّا.

فإنْ قلتَ: فَلِمَ ذَمَّ/ على طلبِ الدُّنيا وهو أمرٌ

ص 158

مُباحٌ، وَكذا طلبِ المرأَةِ للتَّزوُّجِ، وَالمبَاحُ لا ذَمٌّ فيهِ وَلا مَدْحٌ؟.

قلتُ: لكنَّ المبَاحَ لما اختلطَ ههُنا بأمرٍ غيرٍ مُناسِبٍ للمقاصِدِ الشَّرعيَّةِ من الدُّنيا وتمتُّعِهَا ومن النِّساءِ وتزوُّجِهَا، تَوَجَّهَ الذَّمُّ عَلى طَلَبِهِمَا تحذيْرًا عن طَلَبِهِمَا على هذا الوَجهِ، وتَحْضِيْضًَا على محضِ الإخلاصِ، قالَ اللهُ تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوْا اتَّقُوْا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} [آل عمران:102] وَقيلَ في تفسيرِ هذا أنْ يُنَزِّهَ الطَّاعَةَ عن الالتفاتِ إِلَيْهَا وعن تَوَقُّعِ المجازاةِ.

فإنْ قلتَ: فَلِمَ اختصرَ البُخاريُّ هذا الحَديثَ؛ فإنَّهُ روَاهُ على هذا الوَجهِ: وَلم يذكرِ القطعَةَ الأُولى، أعني: قولَهُ: ؟.

قلتُ: فلعَلَّهُ اختصرَهُ لعدَمِ ثبوتِ هذا الحَديثِ عندَهُ على هذا الوَجهِ بعينِهِ، مَعَ نوعٍ إيماءٍ إلى سَبَبِ ورُودِ هذا الحديثِ، بإتيانِ آخرِهِ وَتركِ أوَّلِهِ؛ وَلأجلِ هذا المعنى قيلَ أنَّ البغويَّ ذكرَ هذا الحَديثِ على سَبيلِ اليُمْنِ وَالبركَةِ قبلَ شُرُوْعِهِ في الأبَوابِ وَتقسيمِهَا إلى صحاحٍ وحِسَانٍ.

فإنْ قلتَ: فَلِمَ افتتَحَ البُخاريُّ بهذا الحَديثِ؟.

قلتُ: لكونِهِ متعلِّقًَا

ص 160

بشرطِ الأعمالِ التي هي مدارُ التَّكاليفِ، وَللتَّنبيهِ للطَّالِبِ عَلى تصحيحِ النِّيَّةِ، ولأجلِ هذا المعنى قالَ ابنُ المهديِّ وَالحافِظُ: من أرادَ أن يُصَنِّفَ كتابًا فليبدَأ بهذا الحديثِ، وَقالَ أيضًا لو صنَّفْتَ كتابًا لبدأتَ في كلِّ بَابٍ منهُ بهذا الحَديثِ، فجعلَهُ فاتحَةَ كتابِهِ وَأقامَهُ مقامَةَ الخطبةَ لأبوَابِهِ، وَقد قصدَ بهِ إصلاحَ النِّيَّةِ في تأليفِهِ، وَقالَ ابنُ دحيةَ:/ لم أجدْ فيما أرويهِ من الدِّينيَّاتِ أنفعَ من قولِهِ: إذْ مدَارُ العلمِ عَليهِ، وَهو نورٌ يسعى بين يَديهِ.

فإنْ قلتَ: فكيفَ يستقيمُ هذا وقد قالَ جمهورُ العُلماءِ أنَّ أوَّلَ الوَاجبَاتِ على المكلفينَ هُوَ الإيمانُ باللهِ وبصفاتِهِ، فكانَ اللائقُ

ص 161

للبُخاريِّ أن يذكرَ [ما] يتعلَّقُ بالإيمانِ وَالتَّوحيدِ، إذ المعرفَةُ يتمُّ بدُونِ النِّيَّةِ على مَا قالُوا وَالنِّيَّةُ لا اعتبارَ لها شرعًا بدونِ الإيمانِ؟.

قلتُ: نعم، لكنَّ البخاريَّ رحمهُ الله قد سَلَكَ ههُنا طريقةَ السَّلَفِ في زيادَةِ الاعتناء بتصحيحِ الأعمالِ بالنِّيَّاتِ، قالَ اللهُ تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات:56] ، وَأما التَّوحيدُ فقد حَصلَ لهم تقليدًا أو اكتسابًا بالبرهَان، فهو أمرٌ مَفروغٌ منهُ عندَهُم، يكادُ يلحَقُ عندَهُم بضروريَّاتِ الدِّينِ كالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ وَالصَّومِ وَالحَجِّ، وَليسَ عندَهُم التفاتٌ إلى طريقَةِ المُتكلِّمينَ أصلًا، ولأجلِ هذا المعنى اختتَمَ البُخاريُّ رحمه الله (( صحيحه ) )بحديثٍ يتعلَّقُ بالأعمالِ

ص 162

القوليَّةِ: وهو حديثُ: .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت