فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 19

فالأوَّلُ: كلُّ عَمَلٍ لاَ يُشترَطُ فيهِ النِّيَّةُ كإزالةِ النَّجاسَةِ وردِّ المغصُوبِ وَنحوِهِما.

والثَّاني: كالاعتقاداتِ والتَّوبَةِ ونحوهِما.

وَالثَّالثُ: نحوَ الصَّلاةِ والحَجِّ وَنحوِهِمَا.

وَقريبٌ من ذلكَ قولُ بَعضِ العُلماءِ: العبَادَاتُ ثلاثةُ أقسَامٍ: قلبيٌّ وقالبيٌّ وَمَاليٌّ كالإيمانِ والصَّلاةِ

ص 112

والزَّكاةِ، هذا وإنَّ الجارَّ وَالمجرورَ في قولِهِ عليهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ لا بُدَّ لهُما من مُتَعَلَّقٍ، فاختُلفَ فيهِ؛ فقيلَ: يُعتبَرُ، وقيلَ: تكملُ وَتصحُّ، وَقيلَ: تُقبلُ، وقيلَ: تستقرُّ، وَقيلَ: تكونُ عَلى مَا مرَّ.

فإنْ قلتَ: أيُّها أظهرُ تقديرًا؟

قلتُ: تقديرًا: يصحُّ، أظهرُ نظرًا إلى كلامِ الشَّارعِ، كما أنَّ تقديرَ: تكونُ وتُعتبرُ، أظهرُ نظرًا إلى اعتبارِ النُّحاةِ والعُرْفِ.

فإنْ قلتَ: هَلِ الصِّحةُ المقدَّرةُ ههُنا هي غيرُ الصِّحَّةِ المقدَّرَةِ قبلَ الأعَمالِ، أعني صحَّةَ الأعمَالِ؟

قلتُ: نعم، فإنَّ المرادَ من الصِّحَّةِ المقدَّرةِ ههُنا هو الثُّبوُتُ وَالحصُولُ لما أنَّ المرادَ من الصِّحَّةِ المقدَّرةِ قبلَها هوَ بمعنى الإجزاءِ ودفعِ وَجوبِ القضاءِ، وَقد

ص 113

عرفتَ أنَّ الصِّحَّةَ ههُنا تُغني عن تقديرِ الصِّحَّةِ قبلَها، وَلا يخفى عَليكَ أنَّ الصِّحَّةَ المقدَّرةَ هوَ الكونُ، فلا يكونُ تقديرُ تصحُّ تقديرًا غيرَ تقديرِ الكونِ.

فإنْ قلتَ: إذا كانَ المُتعلِّقُ ههُنا يكونُ المقدَّرُ، فهل هو من الأفعالِ التَّامةِ؟.

قلتُ: نعم.

فإنْ قلتَ: فهل يجوزُ أن يكونَ من الأفعالِ النَّاقصةِ؟.

قلتُ: لا وإلا يلزمُ التَّسلسُلُ في أخبارِ الأفعالِ النَّاقِصَةِ.

فإن قلتَ:/ لا نُسَلِّمُ لزومَ التَّسلْسُلِ لجوازِ أن يكونَ بعضُ المُقدَّراتِ ههُنا فعلًا من الأفعالِ التَّامَةِ.

قلتُ:

ص 114

هذا المنعُ مردودٌ لكونِهِ غيرَ مُتَعَلِّقٍ بمحلِّ النِّزاعِ، فإنَّ كلامَنا إنَّما هو على تقديرِ المتعلَّقِ هو فعلًا من مجرَّدِ الأفعالِ النَّاقصَةِ.

فإنْ قلتَ: فهل يصدُقُ مثلُ هذا الكلامِ إذا قُدِّرَ المُتعلِّقُ ههُنا حصُولًا لغويًا من غيْرِ ارتكابِ مجازٍ؟.

قلتُ: نعم، إذا كان المقصُودُ من هذا الحديثِ إظهَارُ كمالِ العنايةِ بشأنِ النِّيَّةِ، وَنظيرُ هذا كثيرٌ في الكلامِ، ألا ترى أنَّ نحوَ قولِهم: إنَّما المُلكُ بالرجِّالِ وإنَّما الرِّجالُ بالمالِ، وَإنَّما المالُ بالرعيَّةِ وَإنَّما الرعيَّةِ بالعدلِ، إنَّما هو من هذا القبيلِ، ثمَّ الظَّاهرُ أنَّ البَاءَ

ص 115

ههُنا للسَببيَّةِ، قالَ اللهُ تعالى: {ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُوْنَ} [النحل:32] وَالمرَادُ من السَّببِ ههُنا هو السَّببُ العادِيُّ، فيكونُ النِّيَّةُ سَبَبًا للثوابِ وَللصحَّةِ يجعلُ اللهَ ذلكَ سببًا تيسيرًا على العبَادِ، وَلهذا جُعِلَتْ شرطًا للصَّلاةِ لا يُفصلُ بينهما بعملٍ لاَ يليقُ بالصَّلاةِ، مثلُ الأكلِ وَالشُّربِ وَنحوِهما، أمَّا إذا فصلَ بينَهما بعملٍ يليقُ بالصَّلاةِ مثل الوضوءِ وَالمشي فلا يضرُّ، حَتَّى لو نوى ثم توضَّئَ أو مَشى إلى المسجدِ فكبَّرَ وَلم تحضرُهُ النِّيَّةُ جَازَ؛ كعدَمِ الفصلِ بينَهما بعملٍ لا يليقُ بالصَّلاةِ ولكونِهَا شرطًا لها لا يعتدُّ بالنِّيَّةِ المتأخِّرَةِ عن التَّكبيرِ،

ص 116

لأنَّ مَا مضى لا يقعُ عبَادةً، وَأمَّا النِّيَّةُ المتأخِّرةُ عن الصَّومِ فإنَّما جُوِّزَتْ لأجلِ الضَّرُورةِ، وَكذا يجوزُ تقديمُ النِّيَّةِ في الحجِّ حتَّى لو خرجَ عن بيتِهِ/ يريدُ الحَجَّ فأحرَمَ وَلم تحضرْهُ النِّيَّةُ جَازَ، وَكذا الزَّكاةُ تجوزُ بنيَّةٍ وُجِدَتْ عندَ الإفرازِ، ويحتملُ أن تكونَ ههُنا للمصَاحَبةِ كما في قولِهِ تعالى: {تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ} [المؤمنون:20] ولأجلِ هذا جَعلَ بعضُ النَّاسِ النِّيَّةَ جزءًا من العبادةِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت