فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 19

قالَ أهلُ الأصُولِ

ص 66

إنَّ نحو الأعمالِ وَالخطأ وَالنِّسيانِ غيرُ مرفوعٌ فصَارَ مجازًا عن حكمِهِ، ثم قالَ بعضُهم أنَّ ذلكَ الحكمَ ثابتٌ بطريقِ الحذفِ، كما قالَ البَعضُ الآخرُ منهم أنَّهُ ثابتٌ بطريقِ الاقتضاءِ.

فأقولُ: اعتُرِضَ على قولِهِم من وجوهٍ: الأوَّلُ أنَّ كلَّ وَاحدٍ من القولِ بالمجازِ وَالقولِ بالحذفِ يقتضي الاستغناءَ عن الآخرِ، وهكذا حَالُ القولِ بالاقتضاءِ مع أن الاعتبارَ المقتضي لا يظهرُ ههُنا، فإنَّهم قد صَرَّحُوا بأنَّ المقتضى صَارَ بحكمِهِ حكمَ النَّصِّ، فمعلومٌ عندَكَ أن اعتبارَ هذا

ص 67

لا يظهرُ فيما نحن بصَددِهِ، لأنَّ المقتضى ههُنا حكمٌ وَليس يظهرُ ههُنا أن للحكمِ حُكمًا، اللَّهُمَّ إلا أن يُخَصِّصَ هذا المُصرَّحُ بهِ ببعضِ أقسَامِ المقتضى بناءً على أنَّهُ أعمُّ؛ فإنَّهُ لازمٌ مُقدَّمٌ مُقدَّرُ يَتوقَّفُ عليهِ استقامةُ معنى الكلامِ مُطلقًا، سوءًا كانَ ذلكَ التَّوقُّفُ لغويًا أو عقليًَّا أو شرعيًَّا، كالبيعِ في نحو: اعتِقْ عَبدَكَ عنِّي بألفٍ؛ فإنَّهُ يتوقَّفُ عليهِ صحَّةُ هذا الكلامِ شرعًا، فصَارَ كأنَّهُ قالَ: بِعْ عبدُكَ عَنِّي وكُنْ وكيلي في الإعتاقِ، والثَّاني أنَّ الأمرَ لو كانَ كذلِكَ لامتنعَ اجتماعُها في القصدِ والإرادَةِ ههُنا

ص 68

على مَا هُو شأنُ الحقيقَةِ وَالمجازِ.

وَالثالثةُ: إنَّ الحالَ لو كانَتْ كما ذكروُا لاَستلزمَ كُلُّ مقتضى مَجازًا.

وَالرَّابِعُ: أنَّ المقتضى بصيغةِ اسمِ المفعُولِ يُصَحِّحُ معنى المقتضى بصيغةِ اسمِ الفاعلِ، بحيثُ لا يُبطلُهُ، فلو قُلنا ههُنا بالاقتضاءِ مع القولِ بالمجازِ لعادَ الأمرَ على موضعِهِ/ بالنَّقضِ وَالإبَطالِ، وَفي ذلكَ إبطالُ المقتضى أيضًا، وَقِسْ عَلى هذا حَالَ المحذوفِ، ومنهم من لا يفرِّقُ بين المقتضى وَالمحذوفِ، وَلهذا قالَ بعمومِ المقتضى وَهو أقربُ إلى الصَّوابِ،

ص 69

وأما القولُ بعدمِ العمومِ فمُجَرَّدُ اصطلاحٍ خَالٍ عن الإطِّلاعِ على أسرارِ الأمورِ ودقائِقِها بناءً على العُمومِ، وصيغَةُ لفظٍ لا صيغة معنىً اصطلاحًا، ونظيرُ هذا الاختلافِ هُوَ الاختلافُ في تخصيصِ العِلَّةِ وَفي عدَمِهِ، وَكذا القولُ بعدَمِ تخصيصِ دلالَةِ النَّصِّ.

وَالخامسُ: لا شكَّ أنَّ الإعتاقَ في نحوِ: اعتِقْ عبدَكَ عنِّي بألفٍ، مستمرٌ على مَعناهُ الأصليِّ، فلو كانَ مَجازًا لما استمرَّ عليهِ.

والسَّادِسُ: إنَّ كلَّ واحدٍ من القولِ بالمجَازِ وَالقولِ بالحذفِ وَالاقتضاءِ لو كان حَقًَّا ههُنا، لكانَ هذا مثلَ الكلامِ من

ص 70

بَابِ التَّأكيدِ وَالاستدرَاكِ، وأنَّهُ بَاطلٌ قطعًا.

والسَّابِعُ: أنَّهُ لو كانَ من بَابِ المجازِ لَزِمَ تحقُّقُ المجازِ بدُونِ تحقُّقِ قرينةٍ مَانعةٍ عن إرادةِ المعنى الحقيقيِّ بشهادَةِ فحوى الكلامِ عند الرُّجوعِ إلى سَبيلِ الذَّوقِ والإنصَافِ، احترازًا عن السُّلوكِ في طريقِ المكابرَةِ وَالاعتسافِ، ألا ترى أنَّ معنى قولِكَ: غلامُ زيدٍ جَانِي، لا يتمُّ بدونِ اعتبارِ معنى المضافِ مع أنَّ المضافَ إليهِ مُستمرٌ عَلَى مَعناهُ بلا شبهَةٍ.

وَأقولُ: الجَّوَابُ عن هذهِ الاعتراضَاتِ بوجهينِ:

الأوَّلُ

ص 71

أنَّ المجازَ ههُنا محمولٌ على المجَازِ بالحذفِ لا على المجَازِ اللُّغويِّ، وَالدَّليلُ على هذا هوَ تسميَتُهُ ذلكَ البعضَ هذا المقدَّرَ بالمحذوفِ، ويُقوِّي هذا الجَّوَابَ تصريحُ بعضِ أصحَابِ الحديثِ بأنَّ المضافَ قد حُذِفَ ههُنا وَأُقيمَ المضافُ إليه مَقامَهُ.

الوجهُ الثاني: أنَّ المقتضى لمَّا شَابهَهُ المعنى المجَازيُّ في كونِهِ نُصْبَ عينِ الجَّنانِ وَمتوجَّهَ النَّظرِ على وَجهِ الإمعَانِ، أطلقَ لفظةَ المجازِ على سَبيلِ التَّشبيهِ وَالمسَامحَةِ/ لعدَمِ اشتباهِ المقصُودِ من

ص 72

الكلامِ على من كانَ لهُ أدنى مسكةٍ من ذوقِ البَصَايرِ، لكِن لا يخفى عليكَ أنَّ هذهِ الأمُورَ اعتبارَاتٌ زايدةٌ عَلى قدرِ الحَاجَةِ بعَيدةٌ عن المرامِ بمرَاحلٍ، وَليسَت بخاليةٍ عن التَّمحلاتِ والتَّعسُّفاتِ عَلى مَا ترَى وتَشهدُ بذلك.

فإنْ قلتَ: فما المختارُ عندكَ ههُنا؟.

قلتُ: المختارُ عندي ههُنا هو أن يُجعلَ متعلَّقَ الجَّارِّ وَالمجرورِ أمرًا مُناسبًا للمقامِ خاليًا عن القولِ بالمجازِ وبالحذفِ والاقتضاءِ، بشهادةِ فحوى الكلامِ لدَى الرُّجوعِ إلى الاستعمالِ وَإلى الذَّوقِ وَالعدَلِ وَالإنصَافِ، يُقوِّي

ص 73

هذا الكلامِ قولُ من قالَ ههُنا: وَلا بُدَّ من محذوفٍ يتعلَّقُ به الجَّارُ وَالمجرورُ، فقيلَ يُعتبَرُ وَقيل تكملُ وقيلَ تصحُّ، وَقيلَ يكونُ وقيلَ تستقرُّ، إلى غيرِ ذلكَ من الفضيلةِ والاعتدَادِ وَالثَّوابِ.

فإنْ قلتَ: قولُهُ عليهِ السَّلامُ: ظرفٌ مُستقِرٌّ، وَالظَّرفُ المستقِرُّ يكونُ مُتَعَلَّقُهُ من الأفعالِ العَامَّةِ عَلى مَا تقرَّرَ في موضعِهِ، فكيف َيجوزُ أن يُجْعَلَ متعلَّقُهُ خاصًَّا كالاعتبارِ وَالكمالِ ونحوهما؟

قلتُ: النُّحاةُ إنَّما يقدِّرونَ مُتَعَلَّقَ الظَّرفِ المستقِرِّ عَامًَّا إذا

ص 74

لم يوُجدْ له قرينَةُ الخصُوصِ، احترازًا عن التَّرجيحِ بلا مُرَجِّحٍ وَعملًا بشهادةِ استقامَةِ معنى الكلامِ، أمَّا إذا وُجدتَ قرينةٌ دَالَّةٌ على تَعَيُّنِ المحذوفِ، فيجوزُ أن يُقَدَّرَ مُتَعَلَّقُهُ خاصًَّا، بل وَاقعٌ بل واجبٌ لرعَايةِ حقِّ المقامِ، وَلهذا قدَّرَ الزَّمخشريُّ في بيَانِ البَسملَةِ مُتعلَّقَ الجارِّ وَالمجرورِ فعلًا خاصًَّا، فقالَ: تقديرُهُ بسمِ اللهِ اقرَأُ وأتلو؛ لأنَّ الذي يتلوُا التَّسمَيةَ مُقِرٌّ، وكما أنَّ المُسَافِرَ إذا حَلَّ وَارتحلَ فقالَ: بسمِ اللهِ، كانَ المعنى: بسمِ اللهِ أُحِلُّ وبسمِ اللهِ ارتحلُ، وَلم

ص 75

يلتفتْ إلى تقديرِ الابتدَاءِ ههنا، معَ أنَّهُ هو المشهوُرُ عند النُّحاةِ لخلوِّهِ عن رعايةِ خصوصيَّةِ المقامِ وعن توفيةِ/ حقِّهَا إيَّاهَا كما ينبغي على ما ينبغي.

فإنْ قلتَ: هَل في تقديرِ مُتَعَلَّقِهِ عَامًَّا أو خاصًَّا نجاةٌ عن تَكَلُّفِ حَذفِ المضافِ وإقامةِ المضافِ إليهِ مقامَهُ، ومن ارتكابِ القولِ بالمجَازِ؟.

قلتُ: نعم، كما أومَانا إليهِ آنفًا، وفي ذلكَ خلاصٌ عن ارتكابِ خلافِ الظَّاهرِ أيضًا، بيَانُ ذلكَ أنَّا إذا قدَّرْنَا المضافَ وقُلنا إنَّما اعتبارُ الأعمالِ بالنِّيَّاتِ مَثلًا فالظَّرفُ لا يخلوُ من أن يكونَ متعلَّقًا بالاعتبارِ أو بالمحذوفِ

ص 76

أو لا يكونُ مُتعلَّقًا بشيءٍ أصلًا، وكلٌّ منها مردودٌ، أمَّا الأوَّلُ فلأنَّهُ يستلزمُ أنُ يكونَ المبتدأُ بلا خبرٍ مع خروجِ الكلامِ عن معناهُ المقصودِ، فمثلُ هذا يكونُ تغييِّرًا وتحريفًا لمعنى الكلامِ ولا يكونُ بيانًا لهُ، وأمَّا الثَّاني فلأنَّهُ يستلزمُ ارتكابَ زيادةِ الحذفِ مع غَثَاثَةِ اللَّفظِ ورثاثةِ المعنى، وأمَّا الثَّالثُ فلأنَّهُ يستلزمُ خلافَ النَّقلِ والعقلِ والاستعمالِ، مع إباءِ معنى الحديثِ عن ذلكَ إباءً ظاهرًا.

فإنْ قلتَ: أيُّ التَّقديراتِ أرجحُ؟.

قلتُ: إن كنتَ تطلُبُ ههُنا الجَّزمَ وَاليقينَ فلا سَبيلَ إليهِ، وَإن كنتَ ترضى بالظَّنِّ وَالإقناعِ فكلُّ وَاحدٍ منهما أرجحُ عند قائلهِ، فكلُّ حزبٍ بما لدَيْهِم فرحُونَ.

ص 77

فإن قلتَ: أيُّها أرجَحُ عندكَ؟.

قلتُ: الأرجحُ عندي أن يُقَدَّرَ مُتَعَلَّقُهُ حَاصلًا.

فإن قلتُ: فكيفَ يَقوُلُ ذلكَ مع أنَّ عينَ العملِ ليسَتْ بمختصَّةً بالنِّيَّةِ لحصُولَها بدُونِها؟.

قلتُ: لا استبعَادٌ في ذلكَ إذ للشَّرعِ أن يجعلَ الموجُودَ حسًَّا معدُوْمًَا شَرعًا على مَا تقرَّرَ في موضعِهِ، وَالنَّبيُّ صَلى الله عليه وسلم إنَّما بُعِثِ لبيَانِ الشرائعِ وَالأحكامِ أصَالةً لا لبيانِ الحقائقِ وَالأعيَانِ، وَكلُّ وَاحدٍ يتكلَّمُ بلسَانِهِ وَلسَانِ صَاحبِ الشَّرعِ هو المتكلِّمُ عن طريقِ الشَّرعِ ليُفيدَ كلامُهُ حُكمًا شرعيًَّا، فإذا تقرَّرَ هذا أقوُلُ: الشَّرعُ قد جعلَ

ص 78

العملَ الحاصِلَ حسًَّا إذا كانَ/ بغيرِ نيَّةٍ، غيرَ حَاصلٍ شرعًا بَيانًَا لإسرَارِ الشَّرعِ وَحُكمِهِ وَرعَايَةً للمصَالحِ.

فإن قلتَ: سَلَّمْنا أنَّ ذلكَ ليَسَ ببعيدٍ شَرعًا لكنَّهُ بَعيدٌ لغةً؛ فإنَّ النَّاسَ لا يَحصلُ لهم بَيانُ المرادِ من الكلامِ حينئذٍ.

قلتُ: لائمَ ذلكَ، أما أصحابُ النَّبيِّ صَلى اللهُ عليه وسلم فهُم أهلُ الشَّرعِ فحصَلَ لهم بيَانُ المُرادِ منهُ شَرعًا، وبَيانُ عدَمِ الاعتدادِ بالحصُولِ اللُّغويِّ الحسِّيِّ أيضًا، وَأمَا غيرُهم فقد حَصَلَ لهم ذلكَ بالتَّبليغِ وَالتَّفسيرِ وَالتَّرجَمَةِ، وَالمشهورُ أنَّهم كانوا يَسألونَهُ عن معنى كلامِهِ كثيرًا، وَالظَّاهرُ أنَّ سُؤالَهم قد كانَ عمَّا يتعلَّقُ بشأنِ الشَّرعِ لا عمَّا يتعلَّقُ بأمرِ اللُّغةِ، فكيفَ يَسْألوُنَهُ عنهُ وَإنَّهم

ص 79

عَارفونَ اللَّغةَ حقَّ معرِفَتها، وَمن نظرَ فيما ذكرنَا بعينِ الرِّضَا فَبِهَا وَنِعمت، ومن لم يرضَ بما فيهِ فليَّأتِ بأحسَنَ منهُ وَمثلَه فإني عَاجزٌ، وَالقصُور لمعترفٍ ومن ثيَّارِ بحارِ الفُضلاءِ لمُغترفٍ.

ثمَّ إن المشهُورَ عند الحنفيَّةِ أنَّ المقدَّرَ ههُنا هوَ الثَّوابُ، كما أنَّ المُقدَّرَ ههُنا هوَ الصِّحةُ عندَ الشَّافعيَّةِ، فالثوابُ جَزاءُ الطَّاعَةِ والطَّاعَةُ فعلُ المأمورِ بهِ وَحصُولَهُ الثَّوابَ للمُطيعِ إنَّما هوَ بفضلِ اللهِ تعالى وَكَرَمِهِ لا بعَملِ العَبدِ، قالَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: ، وَأمَّا قولُ اللهِ تعالىَ: {ادْخُلُوْا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُوْنَ} [النحل:32] فإنَّما هو وردَ على سَبيلِ إضافَةِ الأمُورِ

ص 80

إلى الأمَاراتِ وَالأسبَابِ العَاديَّةِ تيسيرًا وَتسهيلًا على العبَادِ، فلا يُنافي مُوجِبَ الحَديثِ المذكورِ، وَأمَّا الصِّحَّةُ فمقولةٌ عَليَّ كثيرةٌ، لكن المناسبَ لما نحنُ بصدَدِهِ هوَ أحدُ الأمرينِ؛ إمَّا الإجزاءُ أو دَفعُ وجُوبِ القضاءِ.

فإن قلتَ: فكيفَ يصحُّ أنْ تكونَ الأعَمالُ ههُنا مَجازًا عن الحكمِ وَكونِ الصِّحَّةِ بمعنى الإجزاءِ أو بمعنى دفعِ وُجوبِ القضاءِ لم يكنْ في عهدِ النَّبيِّ صَلى الله عليه وسلم/ بل إنَّما هوَ من أوضَاعِ الفُقهاءِ وَاصطلاحَاتِ المتأخِّرينَ، وَلهذا قالَ البَعضُ: إنَّ ليس ههُنا مجازٌ لغويٌّ.

قلتُ: لاَ استبعَادَ في ذلكَ فإنَّ نفسَ الإجزاءِ

ص 81

ثابتٌ مُطلقًا سَواءً وُضِعَتْ لهُ لفظةُ الصِّحَّةِ أو لا، فالمتأخِّرُ عن عهدِ النَّبيِّ صَلى الله عليه وسلم إنَّما هوَ كونُ الإجزاءِ موضُوعًا لهُ لا نفسُ الإجزاءِ، وَكلامُنا في الثَّاني لا في الأوَّلِ.

فإنْ قلتَ: كونُ الفعلِ مجزيًَّا بعد وُرودِ أمرِ الشَّرعِ بهِ هوَ مثلُ كونِ الشَّخصِ مؤديًَّا وَتاركًا يحكمُ به العَقلُ بَواسطَةِ الحِسِّ، كما يُحكَمُ بكونِ زيدٍ متحرِّكًا حينَ مَشْيِهِ إلى مكانٍ، فلا يكونُ من الأحكامِ الشَّرعيَّةِ فلا يتمُّ التَّقريبُ.

قلتُ: قد تَمَّ التَّقريبُ فإنَّ الإجزاءَ شرعيٌّ بمعنى أن يكونَ الفعلُ مَجزيًَّا إنَّما هوُ مَأخوذٌ من قِبَلِ الشَّرعِ لا من قِبَلِ مجرَّدِ العقلِ، وَلهذا شُرِطَ لهُ النِّيَّةُ وَغيرُها على

ص 82

الغرضِ هَهُنِا إنَّما هو توجيهُ كلامِهِم بقدرِ الوسعِ وَالإمكانِ لا تحقيقُ مُدَّعَاهُم على سَبيلِ البُرهَانِ، وَقد تحقَّقَ عندَكَ أنَّ الثَّوابَ وَالصِّحَّةَ متَغايرانِ فَهْمًَا، لكنَّهما يجتمعَانِ في التَّحقيقِ وَيفترقانِ فيهِ، فصُورةُ اجتماعِهِمَا فيمَنْ صَلَّى صَلاةَ الظُّهرِ مثلًا مُخلصًا خاليًا عن الشَّوائبِ فإنَّها صَحيحةٌ وَيُثابُ عَليها، وَتُوجدُ الصِّحَّةُ بدونِ الثَّوابِ فيمن صَلَّاها مُخلصًا ظانًَّا أنَّهُ مُتوضِئٌ ولم يكنْ لهُ وضوءٌ، فإنَّها صحيحةٌ وَلا يُثابُ عليها، وقد يوجدُ الثَّوابُ بدونِ الصِّحَّةِ كمَّنْ توضَّأَ بماءٍ غيرِ طاهرٍ وَلم يعلمْ بنجاسَةِ الماءِ، فإنَّها يُثابُ عَليها وَليسَتْ بصحيَحةٍ لكونِهَا غيرِ مجزيَّةٍ ولا دافعةٍ لوجوبِ القضاءِ، بل يجب عليهِ القضاءُ وهذا معنى قولِ الفقهاءِ أنَّ الثَّوابَ يتعلَّقُ بصحَّةِ العزيمَةِ،

ص 83

وَالجَّوَازُ/ يتعلَّقُ بركنِ العملِ وَشرطِهِ، فمن توضَّأَ بماءٍ نجسٍ فلم يعلمْ حتَّى صلَّى لم يجزْ لفقدِ شرطِهِ، وَاستحقَّ الثَّوابَ لصحَّةِ عزيمتِهِ، وَاستدلَّتْ الحنفيَّةُ عَلى مُدَّعَاهُم أوَّلًا بأنَّ الثَّوابَ ثابتٌ بالاتِّفاقِ، إذ لا ثوابَ بدونِ النِّيَّةِ فنُوقِضَ بنفسِ النِّيَّةِ فإنها يُثابُ عَليها بدُونِ النِّيَّةِ، وَإلا يلزمُ الدَّورُ وَالتَّسَلْسُلُ….

وَأُجيبَ عنهُ: أوَّلًا بأنَّ النِّيَّةَ مُستثناةٌ من العملِ عُرفًا ألا ترى أنَّكَ تقولُ: مَا عملتُ اليومَ شيئًا، وإن كنتَ قد نويتَ فيهِ شيئًا كثيرًا فيكونُ عَامًَّا قد خُصَّ منهُ البعضُ بقرينَةِ العُرْفِ.

وثانيًا بأنَّ النِّيَّةَ إخلاصٌ وَالإخلاصُ لا يحتاجُ إلى

ص 84

إخلاصٍ آخرَ لاستغنائِهِ عنهُ بذاتِهِ، وَلئلَّا يلزمَ تحصيلُ الحاصِلِ بخلافِ غيرِهِ من الأعمالِ، قالَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: .

وثالثًا بأنَّ العملَ لو حُمِلَ على الثَّوابِ لكانَ باقيًا على عمُومِهِ، إذ لا ثوابَ بدُونِ النِّيَّةِ أصلًا بخلافِ لو حُمِلَ على الصِّحَّةِ، فإنَّ بعضَ الأعَمالِ يصحُّ بدُونِ النِّيَّةِ كالبَيعِ وَالنِّكاحِ وَغيرِهِما، واعترضَ عليهِ أوَّلًا بالنَّقضِ المذكورِ وَأُجيبَ عنهُ أيضًا بالجَّوابِ المذكورِ، وَثانيًا بأنَّا لا نُسَلِّمُ بقاءَ عمومِ العملِ فإنَّ نحوَ الوُضوءِ قد خرجَ عنهُ لعدَمِ احتياجِهِ إلى النِّيَّةِ عندَكُم، وَأُجيبَ

ص 85

عنهُ بأنَّ هذا الاعتراضَ غير مُوَجَّهٍ على قانونِ المناظرَةِ لعدَمِ تَعَلُّقِهِ بمحلِّ النِّزاعِ، إذْ لا ندَّعي عمومَ العَملِ كيفَ مَا اتَّفَقَ حتَّى يتوجَّهُ عَليْهِ ذلكَ الاعتراضُ، بل ندَّعِي العملَ المُقترنَ بالنِّيَّةِ على تقديرِ حملِهِ على الثَّوابِ، وَلا شكَّ أنَّ نحوَ الوضوءِ وسَائرِ المبَاحَاتِ إذا اقترنَ بالنِّيَّةِ يُثابُ عليهِ، وَيدخلُ تحتَ عمومِ مثلِ هذا العملِ،/ واستدلَّتِ الشَّافعيَّةُ على مُدَّعَاهُم بأنَّ اعتبارَ الصِّحَّةِ ههُنا أولى، بناءً على أنَّ المقصُودَ الأهمَّ من بعثةِ النَّبيِّ صَلى الله عليه وَسلم إنَّما هُوَ الأحكامُ أصَالةً، فيكونُ اعتبارُ الصِّحَّةِ أقربَ إلى الفهمِ، فيكونُ المعنى أنَّ صحَّةَ الأعمالِ

ص 86

لا تكونُ إلا بالنِّيَّةِ، فلا يجوزُ الوضوءُ بدونِ النِّيَّةِ.

فإن قلتَ: إنَّ الصِّحَّةَ ليسَتْ من الأحكامِ الشَّرعيَّةِ.

قلتُ: إنَّها منها على مَا مرَّ تقريرُهُ.

فإن قلتَ: إنَّ الثَّوابَ من الأحكامِ أيضًا.

قلتُ: نعم لكنَّ المتبادِرَ من الأحكامِ هو الأحكامُ الدُّنيَّويةُ لا الأحكامُ الأُخرويَّةُ، فيكونُ أرجحَ.

فإن قلتَ: هل صحَّةُ الأعَمالِ غيرُ صحَّةِ العبَادَاتِ؟.

قلتُ: نعم، فإنَّ صحَّتها هي ترتُّبُ الأثرِ المطلوبِ مِنْهَا عليها كما أنَّ صحَّةَ العبَاداتِ هي الإجزاءُ أو دفعُ وُجوبِ القضاءِ على مَا تحققتَهُ، وثانيًا بأنَّ اعتبارَ الصِّحَّةِ أقربُ إلى رعَايةِ مفهومِ الحَديثِ من اعتبارِ الثَّوابِ، فإنَّ نَفْيَ

ص 87

الصِّحَةِ أقربُ إلى نفي العَملِ من نفي الثَّوابِ، فإنَّ الأصلَ هُوَ العَملُ ثم صحَّتُهُ ثم مَا عدَاهَا.

وَأُجيبَ بأنَّ ما ذُكِرَ هوَ اعتبارُ المفهومِ، وَالمفهومُ لا اعتبارَ لهُ عندَنا فلا يُفيدُ ظنًَّا وَلا إلزامًا فضلًا عن التَّحقيقِ وَاليقينِ، على أنَّا نقولُ لا نُسَلِّمُ كونَ الثَّوابِ بعدَ الصِّحَّةِ، فإنَّ الثَّوابَ قد يوجدُ بدونِ الصِّحَّةِ على مَا عرفتَ، وَالتَّحقيقُ أنَّ المقصُودَ ههُنا إنَّما هُوَ أحدُ الأمرين: إمَّا الظَّنُّ وَإمَّا اليقينُ، فإن كانَ المطلوبُ ههُنا هو الأوَّلُ فكُلُّ وَاحدٍ من الدَّليلينِ لكلِّ وَاحدٍ من الفريقين يفيدُ عندَهُ الظَّنَّ بما ادَّعَاهُ، وَإنْ كانَ هوَ الثَّاني فكلٌّ قاصرٌ عمَّا إذا ادَّعَاهُ، لكن المناسبَ/ لمبَاحثِ الاجتهادِ وَالأحكامِ وَالفقهِ هوَ الأوَّلُ،

ص 88

لا سيَّما في موَاضعِ الغُموضِ وَالإشكالِ وَالإجمالِ وَالإبهامِ، شكرُ اللهِ تعالى سعي كلُّ أحدٍ منهما بعفوِهِ وَكرمِهِ، وَأدخلَهُ الجَّنَّةِ برحمتِهِ وَفضلِهِ.

فإنْ قلتَ: هل يجوزُ اعتبارُ أمرٍ آخرَ غيرُ مَا اعتبرَهُ الفريقانِ ههُنا؟.

قلتُ: نعم على مَا مرَّ تحريرُهُ.

فإن قلتَ: كيفَ يُصحُّ هذا وَقدْ قالَ النَّاسُ: لا يجوزُ إحدَاثُ قولٍ آخرَ بعدَ تقريرِ الأقوالِ.

قلتُ: سلَّمْنَا ذلكَ لكن هنا اعتبارُ قولٍ من تلكَ الأقوالِ المقررَّةِ لا إحداثُ قولٍ آخرَ بعدَها، فالأوَّلُ مُتَّفَقٌ عليهِ بخلافِ الثَّاني فإنَّهُ مُخْتَلَفٌ فيهِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت