قلتُ: تحقيقُ ذلكَ مَبْنِيٌّ على بَيانِ أصلٍ؛ وَهوَ أنَّ الأعمالَ إمَّا عبادَاتٌ وَإمَّا وَسَائلُ إليها وَإمَّا مُباحَاتٌ، فالأولى لاَ بدَّ فيها من نِيَّةِ التَّقرُّبِ وَالإخلاصِ.
فإنْ قلتَ: ليست النِّيَّةُ في مَنْ نَوَى أن يُصلِّي ظهر َاليومِ مَثلًا إلا قصدَ العملِ، فكيفَ يُشْتَرَطُ لها نِيَّةُ التَّقرُّبِ؟.
قلتُ: إنَّها قَصدُ العملِ المخصُوصِ ظاهرًا لكنَّها نِيَّةُ التَّقريبِ في التَّحقيقِ لما تقرَّرَ في موضعِهِ من أنَّ الإطلاقَ في المُتعيِّنِ تعيينٌ.
وَالثَّانيةُ اختلفَ القومُ فيها:
ص 62
فقالَ بعضُهم: لا بُدَّ لها من القصدِ إليها، كما قالَ الآخرُ: لا يشترطُ لها ذلكَ كالوُضوءِ وَالغُسلِ، نعم لا بُدَّ للوضوءِ في كونِهِ عبَادَةً قرينةٌ من النِّيَّةِ بالاتفاقِ، وَالثَّالِثَةُ: لا يُشترَطُ لهَا ذلكَ من حَيثُ النَّظرِ إلى ذوَاتِها، وَأما من حَيثُ النَّظرِ إلى كونِها عبَادَةً قريبةً فلا بدَّ لها منها، فعُلِمَ ممَّا ذُكِرَ أنَّ محلَ النِّزاعِ بين الفريقين هوَ الوَسَائلُ لا العبَادَاتُ وَلا المبَاحَاتُ.
فإن قلتَ:/ قد تقرَّرَ أنَّ مُقابلَةَ الجَّمعِ بالجَّمعِ يقتضي انقسَامَ الآحادِ بالآحادِ، فما معنى قولُ بعضِ الفُقهاءِ يُحتاجُ في الصَّلاةِ إلى ثلاثِ نيَّاتٍ: نيَّةُ الصَّلاةِ وَالنِّيَّةُ التي دَخلَ بها وَنيَّةُ الإخلاصِ.
قلتُ:
ص 63
لا يُلتفَتُ إليهِ ويُحْمَلُ على التَّفصيلِ بأنْ يُقصدَ فعلُ الصَّلاة ثم يستمرُّ على ذلكَ القصدِ حقيقةً أو حُكمًا مُبتغيًا بها وجهُ اللهِ تعالى الكريمِ، لكن لا يخفى عليكَ أنَّهُ لا يخلو عن نوعِ تَكَلُّفٍ وَتَعَسُّفٍ.
فإنْ قلتَ: هل التُّرُوْكُ لا بدَّ لها من النِّيَّةِ؟.
قلتُ: قالُوا لا يُشتَرطُ النِّيَّةُ في تركِ المعانِي، لكن أقولُ: المختارُ ههُنا هو التَّفصيلُ بأنْ يُقالَ التَّركُ إمَّا كَفُّ النَّفسِ، فهو كالفعلِ في الاحتياجِ إلى النِّيَّةِ وَلهذا قيلَ أنَّ التَّركَ من أفعالِ القُلوبِ، قالَ اللهُ تعالى: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (41) } [النازعات:40، 41] وَأنتَ
ص 64
تعلمُ أنَّ الثَّوابَ لا بدَّ لهُ من نيَّةٍ، وَلأجلِ هذا قيلَ إذا خَطَرَ ببالِهِ مَعصَيةٌ فكفَّ نفسَهُ عنها للهِ تعالى أُثيبَ على ذلكَ، وأمَّا عدَمُ الفعلِ بحَسَبِ وَصفِهِ باستمرَارِهِ وَعدَمِ استمرَارِهِ فهو كذلكَ، لأنَّهُ دَاخلٌ تحتَ القصدِ وَالاختيارِ، وَأمَّا عدَمُ الفعلِ من حَيثُ هُوَ هُوَ فهو لا يَحتاجُ إلى نيَّةٍ لكونِهِ دَاخلٌ تحتَ الإرادَةِ والقُدرَةِ، وَلهذا قيلَ المختارُ أنَّهُ لا تكليفَ إلا بفعلٍ وَالمُكلَّفُ بهِ في النَّهيِّ فعلٌ، وَهو كَفُّ النَّفسِ عن الفعلِ، فعُلِمَ من هذا أنَّ قولَ من قالَ: وَأمَّا التُّروكُ فهي وَإنْ كانت فعلَ كفٍّ لكن لا يُطلقُ عَليها لفظُ العَملِ، فهو محَلُّ تأمُّلٍ وفكرٍ، وَذَكَرَ ابنُ دَقيقِ العيدِ في (( شرحِ العمدةِ ) )
ص 65
أنَّ فعلَ القلبِ يُطلَقُ عليهِ عملٌ، وإنْ كانَ الأسبقُ إلى الفهمِ تخصيصُ العملِ بأفعالِ الجَّوارِحِ، وَالتَّحقيقُ أنَّ التَّركَ وَإنْ كان غيرُ عملٍ وغيرُ محتاجٍ إلى النِّيَّةِ لما احتاجَ الصَّومُ إلى النِّيَّةِ، وَلما كانَ/ مُثابًا عليهِ؛ فإنَّ الصَّومَ إمسَاكٌ وَحَاصلُ الإمسَاكِ هوَ تركُ المفطراتِ الثَّلاثِ، وَأنَّ الثَّوابَ لا يحصُلُ بدُونِ النِّيَّةِ، لكن ذلكَ باطلٌ بمقتضى هذا الحديثِ: .