فهرس الكتاب

الصفحة 13 من 19

ص 89

الاجتهادِ وَمَا يتعلَّقُ بهِ:

وَالاجتهادُ في اللُّغةِ هو تَحَمُّلُ الجَّهدِ وَالمشقَّةِ في أمرٍ، يُقالُ: اجتهدَ فلانٌ في حملِ حجرِ البِزَارَةِ، وَلا يُقالُ: اجتهدَ في حملِ النَّارنجةِ.

وَفي الاصطلاحِ: هوَ استفراغُ الوسعِ لتحصيلِ ظنٍّ بحكمٍ شَرعيٍّ.

قولُنا: استفراغُ الوِسْعِ، مَعناهُ بذلُ تمامِ الطَّاقَةِ لتحصيلِ ظنٍّ بحيثُ يُحِسِّسُ من نفسِهِ العجزَ عن المزيدِ عليهِ، وَهوَ كالجِّنسِ.

وقولُنا: الفقيهُ، احترازًا عن استغراقِ غيرِ الفقيهِ.

وَقولُنا: لتحصيلِ ظنٍّ، إذ لا اجتهادَ في القطعيَّاتِ.

وَقولُنا: بحكمٍ شرعيٍّ، ليخرُجَ ما في طلبِ غيرِهِ من المحسناتِ وَالعقليَّاتِ، فإنَّهُ بمعزلٍ عن مقصُودِنَا في هذا المقامِ.

وَالفقيهُ

ص 90

هو الموصُوفُ بالفقهِ، وَهو معرفَةُ النَّفسِ مَالها وَمَا عليها، فظهرَ من هذا أنَّ للاجتهادِ ركنين وَهما المُجْتَهِدُ، وَالمُجْتَهَدُ فيهِ فالمُجتهِدُ هو من اتَّصَفَ بصفةِ الاجتهادِ على التفسيرِ المذكورِ، والمجتَهَدُ فيهِ: هو حكمٌ ظنيٌّ شرعيٌّ عليهِ دليلٌ.

وَأمَّا شرطُ الاجتهادِ فهو معرفَةِ/ ثلاثةِ أمورٍ: الكتابُ وَالسُّنَّةُ وَالقياسُ، أمَّا المرادُ من معرفةِ الكتابِ فهو معرفتُهُ بمعَاينَةِ لغةٍ وَشريعةٍ، وَبأقسَامِهِ من العَامِّ وَالخاصِّ وَغيرِهِما.

وَأمَّا المرادُ من الكتابِ هو قدرُ مَا يتعلَّقُ بمعرفَةِ الأحكامِ، وَالمُعْتَبَرُ هوَ العلمُ بمَواقفها بحيثُ يتمكَّنُ من الرُّجوعِ إليها عندَ طلبِ الحكمِ، لا الحفظُ عن ظهرِ القلبِ، وكذا المرادُ

ص 91

من السُّنَّةِ قدرَ مَا يَتعلَّقُ بالأحكامِ.

وَأمَّا المرَادُ من معرفةِ السُّنَّةِ معرفتُها بمتنِهَا وَسنَدِهَا، وَفي ذلكَ مَعرفَةُ حَالِ الرُّوَاةِ وَالجرحِ وَالتَّعديلِ، إلا أنَّ البحثَ عن أحوَالِ الرُّوَاةِ في زمَانِنَا هذا كالمتعذِّرِ؛ لطوُلِ المدَّةِ وَكثرةِ الوَسَائلِ، فالأولى الاكتفاءُ بتعديلِ الأئمَّةِ الموثوُقِ بهم، كالبُخاريِّ وَمُسلمٍ وَغيرِهِما رحمهُم الله تعالى.

وَلا يخفى عليكَ أنَّ المرادَ من معرفَةِ متنِ السُّنَّةِ هُوَ معرفَتُها بمعَانيها لغةً وشريعةً، وبأقسامِهَا من العَامِّ وَالخاصِّ وَغيرِهما.

وَأمَّا المرادُ من معرفةِ القِياسِ فهو معرفتُهُ بأركانِهِ وَشرُوطِهِ وَأقسَامِهِ، وَالمقبولِ منهُ وَالمردودِ منهُ، كلُّ ذلكَ ليتمكَّنَ من الاستنبَاطِ

ص 92

الصَّحيحِ، وَلا يُشْتَرَطُ علمُ الكلامِ لجوازِ الاستدلالِ بالأدلَّةِ السَّمعيَّةِ للجَّازمِ بالإسلامِ تقليدًا، ولا علمَ الفقهِ لأنَّهُ نتيجَةُ الاجتهَادِ وثمرتُهُ، فلا يتقدَّمُ لأنَّ منصبَ الاجتهادِ في زمَانِنَا إنَّما يحصُلُ بممارسَةِ الفروعِ فهي طريقٌ إليهِ في هذا الزَّمانِ، وَلم يكنِ الطَّريقُ في زمَانِ الصَّحابَةِ ذلكَ، ويمكنُ الآنَ سُلوكُ طريقِ الصَّحابَةِ.

ثمَّ هذهِ الشَّرائطُ إنما هي في حقِّ المجتهدِ في حكمٍ دونَ حكمٍ، فعليهِ معرفةُ مَا يتعلَّقُ بذلكَ الحكمِ، كذا ذكرَهُ الإمَامُ الغزاليُّ.

فإن قلتَ: لا بُدَّ لهُ من معرفةِ جَميعِ مَا يتعلَّقُ

ص 93

بالأحكامِ لئلا يقعَ اجتهادُهُ في ذلك/ المسألةِ مُخالفًا لنصِّ أو إجمَاعٍ.

قلتُ: بعدَ معرفَةِ جميعِ مَا يتعلَّقُ بذلكَ الحكمِ لا يُتَصَوَّرُ الذُّهُولِ عمَّا يقتضي خلافَهُ؛ لأنَّهُ من جملَةِ مَا يتعلَّقُ بذلكَ الحكمِ وَلا حَاجةَ إلى الباقي، مثلًا الاجتهادَ في حكمِ يتعلَّقُ بالصَّلاةِ لا يتوقَّفُ على معرفةِ جميعِ مَا يتعلَّقُ بأحكامِ النِّكاحِ.

فإنْ قلتَ: كانَ الأَوْلى ذِكْرُ الإجماعِ أيضًا إذ لا بُدَّ من معرفتِهِ وَمعرفَةِ موَاقعِهِ لئلا يخالفَهُ في اجتهادِهِ.

قلتُ: نعم، لكن كانَ تعلُّقُ الاجتهادِ بهِ ليس كتعلُّقِهِ بهذهِ الشُّروطِ؛ فإنَّهُ لا ينفكُّ عنها دَائمًا بخلافِ الإجماعِ، فإنَّهُ في الحقيقةِ إنَّما هوَ من قبيلِ موَانعِ الاجتهادِ،

ص 94

وَالشُّروطُ هي غيرُ الموانِعِ، طُوِيَ ذكرُهُ عندَ ذكرِ شروطِ الاجتهادِ.

وَأمَّا حكمُهُ أي الأثرُ الثَّابتُ بالاجتهادِ: فهوَ غلبَةُ الظَّنِّ بالحكمِ معَ احتمالِ الخطأ، فلا يجري الاجتهادُ في القطعيَّاتِ وفيما يجبُ فيهِ الاعتقادُ الجَّازمُ من أصولِ الدِّينِ، وَهذا مبنيٌّ عَلى أنَّ المصيبَ عند اختلافَ المجتهدينَ وَاحدٌ، وقد اختلفُوا في ذلكَ بناءً على اختلافِهم في أنَّ للهِ تعالى في كلِّ صورةٍ من الحوادِثِ حُكمًا مُعيَّنًا أمِ الحكمُ مَا أدَّى إليهِ اجتهادُ المجتهِدِ، فعلى الأوَّلِ يكونُ المُصيبُ وَاحدٌ، وَعلى الثَّاني يكونُ كُلُّ مجتهدٍ مُصيبًا، وتحقيقُ هذا المقامِ أنَّ المسألَةَ الاجتهاديَّةَ إمَّا أن لا يكونَ للهِ تعالى

ص 95

فيها حكمٌ معيَّنٌ قبلَ اجتهادِ المجتهِدِ، أو يكونَ وَحينئذٍ إمَّا أن لا يدلَّ دليلٌ عليهِ أو يدلَّ، وذلكَ الدَّليلُ إمَّا قطعيٌّ أو ظنِّيٌّ، فذهبَ إلى كلِّ احتمالٍ جماعَةٌ، فحَصَلَ أربعَةُ مذاهبَ:

الأوَّلُ:/ لا حكمَ في المسألةِ قبلَ الاجتهَادِ بل الحكمُ هو مَا أدَّى إليهِ رأيُ المجتهِدِ، وَإليهِ ذهبَ عَامَّةُ المعتزلَةِ، ثم اختلفوُا فذهبَ بعضُهم إلى استواءِ الحكمين في الخفيةِ وَبعضُهم إلى كونِ أحدِهِما أحقُّ، وقد نُسِبَ ذلكَ إلى الأشعريِّ، بمعنى أنَّهُ لم يتعلَّقِ الحُكمُ بالمسألةِ قبل الاجتهَادِ، وَإلا فالحكمُ قديمٌ عندَهُ.

الثَّاني: أنَّ الحكمَ مُعَيَّنٌ وَلا دَليلَ عليهِ، بل العثورُ عليهِ بمنزلَةِ العُثورِ

ص 96

على دفينٍ فلمن أصَابَ أجران وَلمن أخطأ أجرُ الكَدِّ، وَإليهِ ذهبَ طائفةٌ من الفقهاءِ وَالمتكلمينَ.

الثَّالثُ: أنَّ الحكمَ معيَّنٌ وَعليهِ دَليلٌ قطعيٌّ، وَالمجتهدُ مَأمُورٌ بَطلبِهِ، وَإليهِ ذهبَ طَائفةٌ من المتكلِّمينَ.

ثم اختلفُوا في أنَّ المُخطئَ هل يستحقُّ العقابَ أم لا؟ وفي أنَّ حكمَ القاضي بالخطأ هَل يُنْقَضُ أم لا؟.

الرَّابعُ: أنَّ الحكمَ فيها مُعَيَّنٌ وَعليه دليلٌ ظَنِّيٌّ إنْ وَجدَهُ المجتهِدُ أصابَ وَإنْ فَقَدَهُ أخطأَ، وَالمجتهدُ غيرُ مكلَّفٍ بإصَابتِهِ لغموضِهَا وَخفائِها؛ فلهذا كانَ المُخطئ معذورًا بل مَأجُورًا، ثم اختلفَ هؤلاءِ في أنَّ المخطئَ مخطئٌ ابتدَاءً أي بالنَّظرِ إلى الدَّليلِ وبالنَّظرِ إلى الحكمِ، أو مُصيبٌ

ص 97

ابتداءً ومخطئٌ انتهاءً، أي مُصيبٌ بالنَّظرِ إلى الدَّليلِ مُخطِئٌ بالنَّظرِ إلى الحكمِ، وَلِهَذَا قالَ أبو حنيفَةَ رحمَهُ اللهُ: كُلُّ مجتهدٍ مُصيبٌ لكنَّ الحقَّ عندَ اللهِ وَاحدٌ، فإذا كانَ الحقُّ عندَ اللهِ وَاحدٌ لا يُرادُ أنُّ كلَّ مجتهدٍ يُصيبُ بالنَّظرِ إلى الحكِم بل بالنَّظرِ إلى الدَّليلِ، بمعنى أنَّهُ قد أقامَ الدَّليلِ كما هو حَقُّهُ مُسْتَجْمِعًَا لشرائطِهِ وَأركانهِ، فيكون إيتاءً بما كُلِّفَ من الاعتبارِ/ وَليسَ في وِسْعِهِ إقامَةُ البرهانِ القطعيِّ في الشَّرعيَّاتِ حتى يكونَ مَدلوُلُهُ قطعيًَّا البَتَّةَ، لقولِهِ تعالى: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ} [الأنبياء:79] الآيةُ، سمَّى عملَ كِليهما حُكمًا وَعلمًا، لكنَّ سُليمانَ خُصَّ بإصَابةِ المطلوبِ، وتنصيفُ الأجرِ يدلُّ أيضًا على أنَّ المجتهدَ مُصيبٌ من وَجهٍ دُونَ

ص 98

وَجهٍ، وقالَ ابنُ مسعودٍ: إنْ أصبتُ فمِنَ اللهِ وَإلا فمنِّي وَمِنَ الشَّيطانِ، وهذهِ الأدلَّةُ حُجَجُ أصحَابِ المذهَبِ الرَّابعِ وهو مذهَبُنا.

واحتجَّ القائلونَ بتعدُّدِ الحقِّ في المسَائل الاجتهاديَّةِ وَبإصابَةِ كُلِّ مجتهدٍ على مَا ادَّعَوهُ بوجهينِ:

أحدهما: أنَّهُ لو لم يتعدَّدِ الحقُّ لَزِمَ ما لا يُطاقُ، بَيانُ الملازمَةِ أنَّ المجتهدين مكلَّفونَ بنيلِ الحقِّ وَإصَابَةِ الصَّوابِ، إذْ لا فائدةَ للاجتهَادِ سوى ذلكَ، فلو كانَ الحقُّ وَاحدًا لكانَ المجتهِدُ مَأمُور بإصَابتِهِ بعينِهِ، وظاهرٌ أنَّ ذلكَ ليسَ في وسعِهِ لغموضِ طريقِهِ وَخفاءِ دَليلِهِ، فيجبُ أن يكونَ الحَقُّ بالنِّسبَةِ إلى كُلِّ مجتهدٍ مَا أدَّى إليهِ

ص 99

اجتهادُهُ.

الثاني: أنَّ اجتهادَ المجتهِدِ في الحُكمِ كاجتهادِ المُصَلِّي في أمورِ القبلَةِ والحقُّ فيه مُتعدِّدٌ اتِّفاقًا؛ فكذا ههُنا لعدمِ الفرقِ، وإنَّما قُلنا أنَّ الحقَّ مُتَعَدِّدٌ اتِّفاقًا لأنَّ المُصلِّي مَأمُورٌ باستقبالِ القبلَةِ، فلو لم تكنْ جميعُ الجِّهاتِ بالنسبَةِ إلى المصلِّينَ إلى جهاتٍ مُختلفَةٍ قبلةً لما تأدَّى فرضُ من أخطأَ جهةَ الكعبةِ، وَاللازمُ بَاطلٌ لأنَّهُ لا يُؤمَرُ بإعادةِ الصَّلاةِ.

والجَّوابُ عن الأوَّلِ بأن نقولَ: لا نُسَلِّمُ أنَّ المجتهِدَ مُكَلَّفٌ بإصابَةِ الحَقِّ بَل هو مُكَلَّفٌ بالاجتهادِ ضرورةَ أنَّهُ/ لا يجوزُ لهُ التَّقليدُ، وَالاجتهادُ حَقٌّ نَظَرًَا إلى رعايةِ شرائطِهِ بقدرِ الوِسعِ سواءٌ أدَّى

ص 100

إلى مَا هو حَقٌّ عندَ اللهِ أو أدَّى إلى الخطأ، وَالتَّكليفُ بهِ يفيدُ الأجرَ ووجوبَ العَملِ بموجبِهِ، فلا يلزمُ عبثٌ كما ترى، وعنِ الثَّاني على سَبيلِ المعَارضَةِ بأنْ يُقالَ: لو كانَ كُلُّ مجتهدٍ مُصيبًا لصحَّ صَلاةُ من خالَفَ الإمَامَ عَالمًا بحالِهِ لإصَابتِهِما جميعًا في جهةِ الكعبَةِ، لكنَّها فاسدةٌ حَيثُ يؤمرُ بالإعَادَةِ بالاتَّفاقِ.

هذا فأقولُ: قد ظهرَ لكَ من بيانِ حكمِ الاجتهادِ وَغيرِهِ كيفيَّةَ اعتقادِ المُقَلِّدِ لوَاحدٍ من المذاهِبِ في هذا المقامِ، فلمَّا كانَ الحقُّ في المسألةِ الاجتهاديَّةِ وَاحدٌ عندَنَا وَعليهِ دَليلٌ ظَنِّيٌّ، فنقولُ أنَّ مذهبنا ههُنا هوَ الحقُّ ظاهرٌ معَ الاحتمالِ لخلافِهِ، وَأنَّ مذهبَ

ص 101

غيرِنَا فيها بالعكسِ، وَكلُّ فريقٍ مُتَمَسِّكٌ بالدَّليلِ الظَّاهرِ على ما ادَّعاهُ، أمَّا الظُّهورُ فلكونِ الدَّليلِ ظنِّيًَّا، وَأما الاحتمالُ فلأنَّ كُلَّ دليلٍ ظَنِّيٍّ يَلزمُهُ احتمالٌ، لكنَّهُ لا يقدَحُ في العملِ بذلِكَ الدَّليلِ وَإن كانَ مُنقدحًَا في الذِّهْنِ، ولأجلِ هذا لا يُعَاقبُ المُخطئُ في الاجتهَادِ وَلا يُنسَبُ إلى الضَّلالِ، بل يكونُ مَعذورًا بَل مَأجُورًا إذ ليسَ عليهِ إلا بَذْلُ الوِسْعِ، وَقد فعلَ فلم يَنَلِ الحقَّ لخفاءِ دليلِهِ إلا أن يكونَ الدَّليلُ الموصِّلُ إلى الصَّوابِ بَيِّنًَا، فأخطأَ المجتهدُ لتقصيرٍ منهُ وتَرَكَ مبالغةً في الاجتهادِ فإنَّهُ يُعاقَبُ، وَأمَّا المُخطئُ في الأصُولِ والعقائدِ فيُعاتبْ بل يُضَلَّلُ أو يُكَفَّرُ، لأنَّ الحَقَّ

ص 102

فيها وَاحدٌ/ بالإجماعِ، وَالمطلوبُ هو اليقينُ الحاصِلُ بالدِّلالَةِ القطعيَّةِ إذ لا يُعْقَلُ حدُوثُ العَالَمِ وَقِدَمِهِ وَجوَازُ رؤيَةِ الصَّانِعِ وعَدَمِهِ، وَالمخطئُ فيهَا مخطئٌ ابتداءً وانتهاءً، وَمَا نُقِلَ عن بعضِهم من تصويبِ كُلِّ مجتهدٍ في المسائلِ الكلاميَّةِ إذا لم تُوْجِبْ تكفيرَ المخالِفِ، كمسألَةِ خلقِ القرآنِ وَمسألَةِ الرُّؤيةِ وَمسألَةِ خلقِ الأفعالِ فمعناهُ نفيُ الإثْمِ وتحقُّقُ الخُروجِ عن العُهْدَةِ لا حقيَّةُ كلٍّ من القولينِ، وَقد ظهرَ لكَ أيضًا أنَّ كونَ الفقهِ من بابِ العلمِ وَاليقينِ أو من بابِ الظُّنونِ وَالأمَارَاتِ، لأنَّ كُلَّ مجتهدٍ في مسألةٍ: الاجتهاديَّةُ إنْ كانَ مُصيبًا دَائمًا أو مُصيبًا

ص 103

أو مُخطأً ابتداءً وانتهاءً، ولهُ دَليلٌ ظَنِّيٌّ في ذلكَ الحكمِ الاجتهَاديِّ يكونُ الفقهُ من بابِ الظُّنونِ والأماراتِ، ولهذا قالَ بعضُ العُلماءِ: الفقهُ من بابِ الظَّنِّ، ويجوزُ أن يكونَ مَنْ بالعلمِ وَاليقينِ، أمَّا عندَ من يقولُ أنَّ كُلَّ مجتهدٍ مُصيبٌ؛ فلأنَّ الشَّارعَ لما اعتبرَ غلبَةَ الظَّنِّ في الأحكامِ صَارَ كأنَّهُ قالَ: كما غلبَ ظنُّ المجتهدِ بالحكمِ ثبتَ الحكمُ، فكلَّما وُجِدَ غلبَةُ ظَنِّ المجتهدِ يكونُ ثبوتُ الحكمِ مَقطوعًا بهِ، وأمَّا عندَ من يقولُ بهِ فيُرادُ بقولِهِ: كُلَّمَا غلبَ ظنُّ المجتهدِ ثبتَ الحكمُ أنَّهُ يجبُ عليهِ العَملُ، أو يثبتُ الحُكْمُ بالنَّظرِ إلى الدَّليلِ وَإن لم يثبتْ في عِلْمِ اللهِ تعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت