ص 104
جمعُ قِلَّةٍ، وكذا النِّيَّاتُ جمعٌ قِلَّةٍ.
فإنْ قلتَ: فكيفَ يجوزُ استعمالُ صيغَةِ جمعِ القِلَّةِ في مقامِ الكثرَةِ بلا قرينةٍ دالَّةٍ على ذلكَ؟.
قلتُ: الجَّمعُ ههُنا مجازٌ عن الجِّنْسِ؛ فإنَّ المقامَ مَقامُ العمُومِ وَالاستغراقِ، فاضَّمحلَتْ ههُنا إرادَةُ معنى الجَّمعِ فيكونُ في معنى/ المُفردِ، فكَمَا أنَّ اسمَ الجِّنسِ المفرَدِ المُحلَّى بلامِ الاستغراقِ يُفيدُ الاستغراقَ في مقامِ العُمُوْمِ، نحو الجِّسمُ مُتَحَيِّزٌ، فكذلكَ الجَّمعُ المحلَّى بلامِ التَّعريفِ المجازِ عن معنى اسمِ المفردِ في مَقامِ الاستغراقِ، ومن هذا عُلِمَ سِرُّ قولِ من قالَ أنَّ الفرقَ بين جمعِ القِلَّةِ وَبينَ جمعِ الكثرَةِ بما قرَّرَ في موضعِهِ إنَّما هو في المنكراتِ
ص 105
لا في المعَارِفِ، وَأنتَ قد عرفْتَ تحقيقَ ذلكَ فيما قبلُ، وَالعملُ يتناولُ الأفعالَ والأقوالَ، ثمَّ إنَّ التَّركَ إن كانَ عبَارةً عن كفِّ النَّفسِ يتناولُهُ العملُ، وَإن كانَ عبَارَةً عن العدَمِ الصَّرْفِ لا يتناولُهُ، وَقد مرَّ نظيرُ هذا التَّفصِيلِ.
ثمِّ إنَّ العَملَ مَقُوْلٌ على التَّأثيرِ وَالأثرِ نحو التَّحريكِ وَالحرَكَةِ، وَالمرادُ من العملِ ههُنا هوَ الأثرُ، قالَ اللهُ تَعالى: {وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات:96] وَقد نصَّ بذلكَ بَعضُ النَّاسِ في مسألَةِ خلقِ الأفعالِ، فيكونُ الأعمَالُ كُلُّها مخلوقةٌ للهِ تعالى.