والنِّيَّاتُ جمعُ نيَّةٍ بالتَّشديدِ على وزنِ فعلةٍ كشدَّةٍ من نوى ينوي، إذا قصدَ فيكونُ لفيفًا مقرونًا أصلُهُ نِوْيَةٌ، فقُلبَتْ الوَاوُ ياءً طَلبًا للخفَّةِ، وَهي من بناءِ النَّوعِ الدَّالِ على الهيئةِ إذ المرادُ من
ص 117
النِّيَّةِ هوَ القصدُ المُعتمَدُ الصَّادرُ عن القلبِ فلهُ هيئةٌ متميزةٌ وَلهذا قلَّ مجئُ مصدرِ نوي نيَّأً بغيرِهَا، نحو: شوى يشوي شيًَّا، هَذا كلُّهُ إذا شدَّدتَ الياءَ فيها، وَأمَّا إذا خَفَّفْتَ الياءَ فيكونُ مصدرًا من ونى يني إذا أبطأ وَتأخَّرَ؛ لأنَّ النِّيَّةَ يحتاجُ في توجِيهها وَتصحِيحها إلى إبطاءٍ وَتأخُّرٍ، فيكونُ لفيفًا مفروقًا أصلُها، ونيَّةٌ على وزنِ فِعْلَةٍ حُذِفَتْ الواوُ تبعًا لحذفِها في فعلِها نحو يني، وَنُقِّلتْ حَركةُ الوَاوِ إلى النُّونِ فيكونُ بعد الحذفِ وَالنَّقلِ على وَزنِ عِلَّةٍ، فيكونُ وَزنُ النِّيَاتِ بالتَّخفيفِ عِلات، كما أنَّ وزنَ النِّيَّاتِ بتشديدِ
ص 118
الياءِ فِعلات.
هذا: وإنَّ النِّيَّةَ في اللغةِ: هو العزيمَةُ، قالَ الجوهري: يقولُ نويتَ نيَّةً ونواةً إذا عزمتَ، وقالَ النَّوويُّ: النِّيَّةُ القصدُ وَهي عزيمةُ القلبِ، فيكونُ القصدُ وَالعزيمةُ في اللُّغةِ بمعنىً وَاحدٍ فيجوزُ أنْ يكونَ لكلِّ وَاحدٍ منهُمَا معنىً غيرُ المُشترَكِ بينَهما، وَأنتَ تعلمُ أنَّ دأبَ أهلِ اللُّغةِ أنْ يفسِّرَ الشَّيءَ بأمرٍ ملائمٍ، سواءٌ كانَ ذلكَ الأمرَ أعمُّ من ذلكَ الشيءِ أو أخصُّ/ منهُ أو مسَاويًا لهُ.
وإنَّما اعتبرَ المسَاواةَ بين المُعَرِّفِ والمُعَرَّفِ بعضُ المتأخرينَ، فإذن اضمحلَّ ههُنا اعتراضُ الكرمانيِّ عَلى النَّوويِّ؛ بأنَّ القصدَ
ص 119
ليسَ هو عزيمةُ القلبِ كما قالَ المتكلمونَ: القصدُ إلى الفعلِ هوَ مَا نجدُ من أنفسِنَا حَالَ الإيجَادِ، وَالعزمُ قد يتقدَّمُ عليهِ وَيقبلُ الشدَّةَ وَالضَّعفَ بخلافِ القصدِ، ففرَّقوا بينَهما من جهتين؛ فلا يصحُّ تفسيرُهُ بهِ، وَكلامُ الخطَّابِيِّ أيضًا مُشْعِرٌ بالمُغايَرَةِ بينَهما، ومنَ النَّاسِ من يقولُ أنَّ النِّيَّةَ والإرادَةَ والقصدَ وَالعزْمَ بمعنىً وَاحدٍ، وَلكنَّ الإرادَةَ تُطْلَقُ في حقِّ اللهِ وَلا يُطلقُ فيهِ غيرُهَا ممَّا ذكرْنَا، وقالَ شارحُ (( العمدَةِ ) )ابنُ الملقِّنِ: يقولُ العربُ: نواكَ اللهُ بحفظِهِ، أي قصدَكَ اللهُ بحفظِهِ، وقالَ ابنُ الصَّلاحِ:
ص 120
هذهِ عبَارةٌ منكرَةٌ؛ لأنَّ المقصُودَ مخصوصٌ بالحَادَثِ فلا يُضافُ إلى اللهِ تعالى، وَأُجيبَ بأنَّ من أطلقَ القصدَ الذِي هوَ من خواصِّ الحَادَثِ بل أرادَ بالقصدِ الإرادَةَ فإنَّها مقولَةٌ في حقِّ اللهِ تعالى بالاتِّفاقِ، هذا وَإنَّ البَيضاويَّ قالَ: النِّيَّةُ هوَ انبعاثُ القلبِ نحوَ مَا تراهُ مُوافقًا لغرضٍ، من جلبِ نفعٍ أو دفعِ ضررٍ حَالًا أو مآلًا، والشَّرعُ خصَّصَها بالإرَادَةِ المتوجِّهِ نحو الفعلِ ابتغاءً لوَجهِ اللهِ تَعالى وامتثالًا لحكمِهِ، وَالنِّيَّةُ في الحديثِ محمُولَةٌ على المعنى اللغويِّ ليحسنَ تطبيقَهُ لما بعدَهُ وَتقسيمَهُ إلى من كانتْ هجرتُهُ إلى كذا وكذا،
ص 121
فإنَّهُ تفصيلٌ لما أجملَهُ وَإيماءً إلى أنَّ النيَّةَ نوعَانِ مقبولٌ وَمردُودٌ ترغيبًا وتنفيرًا.
وقالَ المتكلمونَ جميعًا: الإرادةُ صفةٌ مخصِّصَةً لأحدِ المقدورينَ بالوُقوعِ وَليسَتْ باعتقادِ/ النَّفعِ أو ظنِّهِ، وَلا يميلُ تابعٌ لذلكَ الاعتقادِ أو الظَّنِّ خلافًا لبعضِ المعتزلَةِ، ثم إنَّ الإرادةَ القديمةَ تُوْجِبُ المرادَ إذا تعلَّقَتْ إرادةُ اللهِ تعالى بفعلٍ من أفعالِهِ لَزِمَ وجُودُ ذلكَ الفعلِ، وَامتنعَ تخَلُّفُهُ عن إرَادتِهِ اتِّفاقًا من أهلِ الملَّةِ وَالحكماء، وَأمَّا إذا تعلَّقْتَ بفعلِ غيرِهِ، ففيهِ خلافُ المعتزلَةِ القائلين بأنَّ مَعنى الأمرِ هُوَ الإرادَةُ، فإنَّ الأمرَ لا يوجِبُ وجُودَ المأمُورِ بهِ كما في العُصَاةِ، وَإنَّ الإرادَةَ الحَادَثَةَ
ص 122
لا تُوجِبُ المرادَ، يعني أنَّ إرادَةَ أحدِنَا إذَا تعلَّقَتْ بفعلِ من أفعالِهِ لا توجِبُ ذلكَ المرادَ، وإنْ كانَتْ مُقَارِنَةً لهُ عندَ الأشاعرَةِ وَالمعتزلَةِ، خلافًا للنَّظامِ وَالعلَّافِ فإنَّهما قالا بإيجابِ الإرادَةِ الحادَثَةِ للمُرادِ إذا كانَتْ تلكَ الإرَادةُ قصدًا إلى الفعلِ حَالِ تحصيلِ الفعلِ لا عزمًا عليهِ، وَإنَّ الإرادةَ عندَنَا تنفكُّ عن اعتقادِ النَّفعِ وعن ميلٍ يتبعُ ذلكَ الاعتقادَ، خلافًا للمعتزلَةِ لنا في ذلكَ أنَّ لِهَارِبٍ مِنَ السَّبُعِ إذا عنَّ له طريقانِ متساويان في الإفضاءِ إلى مَطلوبَهِ الذي هو النَّجاةُ منهُ، فإنَّه يختارُ أحدَهما بإرادَتِهِ وَلا يتوقَّفُ في ذلكَ الاختيارِ، على ترجيحِ أحدِهِما لنفعٍ يعتقدُهُ فيهِ وَلا عَلى ميلٍ يتبعُ ذلكَ
ص 123
الاعتقادَ، ومعلومٌ بالضَّرُورةِ أنَّهُ من دهشتِهِ وحيرَتِهِ لا يخطُرُ ببالِهِ طلبُ مُرَجِّحٍ يختارُ لسببِ أحدِهِما، بَل لا يُطلبُ وَلا يُتَصَوَّرُ في تلكَ الحَالَةِ سوى النَّجاةِ منهُ، ومعلومٌ بالضَّرورةِ أيضًا أنَّهُ لو لم يجدِ المُرَجِّحَ لم يتوقَّفْ مُتَفَكِّرًَا فيهِ حَتى يفترسَهُ السَّبُعُ، وَكذا العَطشانُ إذا كانَ عندَهُ قَدَحَانِ مَا، وفرضَ/ استواؤَهُما من جَميعِ الوُجوهِ؛ فإنَّهُ يختارُ أحدَهُما بلا دَاعٍ له يُرَجِّحُهُ على الآخرِ، وَكذلكَ جَائعٌ عندَهُ رغيفانِ متسَاويَان من جَميعِ الوجوهِ، فإنَّهُ يختارُ أحدَهُما من غيرِ داعٍ يَدعوهُ إليهِ، وَإنَّ الإرادَةَ مُغايَرةٌ للشَّهوَةِ فإنَّ الإرادَةِ متعلِّقةٌ بذاتِها، وَالشَّهوَةُ متعلِّقَةٌ بالذاتِ، فإذا ذُكِرْتَ الشَّهوَةَ متعلِّقةً بنفسهَا كانتْ مَجازًا عن
ص 124
الإرادَةِ كما قيلَ لمريضٍ: مَا تشتَهي؟ فقالَ: أشتهي أن أشتهي، أي أريدُ أن أشتهي، وَلأنَّ الإنسَانَ قد يريدُ شربَ دَوَاءٍ كريهٌ غايةَ الكراهةِ وَلا يشتهيهِ بل يتنفَّرُ عنه، وَإنَّ الإرادَةَ غيرُ التَّمني، فإنها لا يتعلَّقُ إلا بالممكنِ بخلافِ التَّمني فإنَّهُ قد يتعلَّقُ بالمحالِ الذَّاتِيِّ، وَقد تَوَهَّمَ جَماعةٌ أنَّ التَّمني نوعٌ من الإرادَةِ، وأمَّا المحبَّةُ فقيلَ: هي الإرادَةُ؛ فمحبَّةُ اللهِ لنا إرادتُهُ لكرامَتِنَا ومثوبَتِنَا عَلى التأبيدِ، وَمحبَّتُنَا للهِ إرادَتُنا لطاعَتِهِ وَامتثالِ أوَامرِهِ ونواهيهِ، وأمَّا الرِّضَى فهو تركُ الاعتراضِ فالكفرُ مَعَ كونِهِ مُرادًا له ليسَ مرضيًَّا عندَهُ؛ لأنَّهُ يعترضُ عَليهِ، وَأمَّا عندَ المعتزلَةِ فالرِّضَا هوَ الإرادَةُ.
هذا
ص 125
فإن قلتَ: فهل يمكنُ التَّوفيقُ بينَ حديثٍ: وَبَينَ حَديثِ: للتَّدَافُعِ بينَهما في الجُّملَةِ بحسبِ الظَّاهرِ؛ فإنَّ الحديثَ الأوَّلَ قد دَلَّ بموجبهِ أنَّ الثَّوابَ إنَّما هو بنيَّةِ العَملِ، كما أنَّ الحديثَ الثَّاني قد أشارَ إلى أنَّ الثَّوابَ يحصلُ بمجرَّدِ الإيمَانِ وَإنْ لم يحصلِ العملُ ولا النيَّةُ.
قلتُ: نعم، يمكنُ التَّوفيقُ بينَهما من وجوهٍ:/
الأوَّلُ: أنَّ الثَّوابَ ليسَ بمختصٍ بنيَّةِ العَملِ؛ لقولِ النَّبيِّ صَلى الله عليه وسلم: .
الثَّاني: أنَّ نفسَ الإيمانِ عملٌ وإنْ لا يخلو عن النِّيَّةِ
ص 126
على مَا مرَّ تحقيقُهُ.
الثَّالِثُ: أن ليسَ المرادُ من كونِ النِّيَّةِ سببًا للثوابِ وَلاستحقاقِهِ أن يكونَ سَببًا عَادِيًَّا يجوزُ أنْ يدومَ مَعهُ مُوجبُهُ، كما يجوزُ أنْ يتخلَّفَ عنهُ، فإنَّ المؤمنَ السَّعيدَ قد يَشقى بأنْ يَرْتَدَّ بعدَ الإيمانِ، نعوذُ باللهِ من ذلكَ، فقد ظهَرَ لكَ من هذا الجَّوابِ التَّوفيقُ بين حَديثِ: وَبينَ الحَديثِ: فنِعْمَ القولُ قولُ من قالَ: الفوَاتِحُ عنوَانُ الخَواتيمِ.
رُوِيَ عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّهُ قالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَلاَ نَتَّكِلُ عَلَى كِتَابِنَا، وَنَدَعُ العَمَلَ؟ فَقَالَ: ، ثُمَّ قَرَأَ: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالحُسْنَى} [الليل:6] الآيَةَ.
هذا وإنَّ محلَّ النِّيَّةِ هو القلبُ الدَّالُ بالسَّمعِ عليهِ؛ قالَ اللهُ تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البينة:5] وَالإخلاصُ إنَّما يكونُ بالقلبِ، والإخلاصُ في اللُّغةِ: جَعْلُ الشَّيءِ خالصًا، يُقالُ خَلَصَ الشَّيءُ بالفتحِ، يخلصُ خَلوصًَا: إذا صَارَ خالِصًا، وخُلاصُ السَّمن/ بالضم: مَا خلصَ منهُ، فقولُ الجَّوهريِّ: وَالإخلاصُ أيضًا في الطَّاعةِ تركُ الرياءَ، بيانُ الإخلاصِ الذي في العبَادةِ
ص 128
لا بيانُ مُطلَقِ الإخلاصِ، ولذلكَ قَيَّدَ الإخلاصَ بالطَّاعَةِ، فقال: وَالإخلاصُ في الطَّاعةِ تَرْكُ الرِّياءِ، وَأمَّا الإخلاصُ في العُرفِ فهو إرادَةُ تميُّلِ الفعلِ إلى اللهِ تعالى وحدَهُ خالصًا، وَالنِّيَّةُ هي القصدُ المتعلِّقُ بتمييلِ الفعلِ إلى وجهِ اللهِ تعالى، كذا ذكرَهُ القَرافيُّ.
فلو نوى الصَّلاةَ بقلبِهِ لأَجْزَأَتْهُ، فلا يُشْتَرَطُ الذِّكرُ باللِّسَانِ وَلكن يحسُنُ ذلكَ، لاجتماعِ عزيمَتِهِ بهِ، وَنظيرُ هذا قولُ أهلِ الكلامِ أنَّ محلَّ العلمِ الحادَثِ غيرُ مُتَعَيِّنٍ عقلًا عند أهلَ الحَقِّ، بَل يجوزُ عندَهُم عَقلًا أنْ يخلقَهُ اللهُ تعالى في أيِّ جَوهَرٍ أرادَ من جواهِرِ بدنِ الإنسانِ،
ص 129
لكنَّ السَّمعَ دَالٌّ على أنَّ محلَ العلمِ هو القلبُ، قالَ اللهُ تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْب} [ق:37] وقالَ: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} [محمد:24] .
ورُوِيَ عنِ النَّبيِّ صَلى الله عَليه وسلم أنَّهُ قالَ: .