الصفحة 114 من 164

وكما نلاحظ فإن هذه الترسيمة تكشف لنا بوضوح المنطق الحكائي، البنيوي وعن مكوّناته الأساسية والفرعية وباستثناء (العصفور) فإن مجمل العناصر المكوّنة هي مكوّنات فرعية، وهذا لا يعني التقليل من شأنها، ولكن الإشارة فقط الى منزلتها ومستوى اشتغالها في النظام العام. فلو أننا فككنا الحكاية إلى أربعة مستويات نصية سنجد أن المكون الأساس يتجلى في كُلٍّ منها بوصفه فاعلًا فيها وعنصرًا انتقاليًا يضاعف حركتها ويؤسس لمجالها الدلالي. نستطيع بعد ذلك إذا ما انتقلنا الى المستوى الثاني من التحليل أن نتصور أن المكوّنات الفرعية ما هي إلا علامات أو لِنَقُلْ وحدات دلالية إذ ما تمت ترجمتها أو نقلها من مستوى البنية الى مستوى الدلالة (فالشوكة) و (الغصن) يمثلان مجالًا مكانيًا ومُثيرًا دلاليًا؛ إذ أنه من خلال (الشوكة) وفعلها انطلق المكوّن الأساس (العصفور) ليشكل المسارات السردية منتقلًا من واحدٍ إلى آخر، ومن هنا تَعدُّ الشوكة مُحرّكًا للمشروع السردي برُّمّتِهِ. وتغدو (العجوز) انطلاقًا من أفعالها مثالًا على الاستغفال والغفلة والغباء، ولكنها مضطرة الى تمثيل هذا الدور مجاراةً لمنطق الحكاية. أمّا (الراعي) فهو على العكس منها يجمع بين المكر والاستغفال ولكنّه يغدو ضحية مكرهًا باستسلامه وخضوعه. وعندما نصل الى المكوّن الفرعي الآخر والمتمثل بـ (أهل القرية) نطالع نمطًا من (التمثيل القواعدي) القائم على المبالغة واللامعقولية حيث (القطط والكلاب) تكون أكلًا للمدعوين، ولكنها هي الأخرى تغدو ضرورية لتصوير (مَعْنَمْ) الفاقةِ الشديدة. أمّا (الرجل صاحب المزمار) فكان أحظى الجميع عندما نالَ حاجته (العروس) التي كان يفتقر إليها، ولو تمثلنا دلالة (مزماره) لوجدناها كناية عن الفاقة أيضًا انطلاقًا من مدلولات المزمار (الحزن / نداء الآخر واستعطافه / إثارة العاطفة ... الخ) فكأن الرجلَ كان بحاجة إلى ما يفرحه لهذا نجده سرعان ما تنازل عن مزماره مُبدلًا به العروس التي تلبي حاجاته المكبوتة، فهو بادل شيئًا يميل الى المعنى (الاندثار والانكسار) بشيء آخر (متحرك وحيّ) وهو ليس ذكيًا ولكنه تعامل مع ما هو طبيعي وبديهي ومعقول. وفي النهاية نعاين عملية الإفلاس التي آل إليها العصفور عبر انكسار مزماره وهذه النهاية تتوازى مع البداية ودلالتها.

ولو أننا تعمقنا في مستوى المضمون النصي لتحصيل الدلالة الكُلية لأدركنا بأن الفعل الصغير تدحرج شيئًا فشيئًا عبر لا منطقية ولا مسؤولية حتى أصبح شيئًا كبيرًا، ولما كانت انطلاقته غير متشاكلة مع واقعها أو فاهمة للأفعال المشتغلة فيه، كان بدهيًا أن تؤول إلى النقطة التي انطلقت منها.

وفي ذلك إشارة الى الإنسان الذي يحاول أن يوظف كُلّ أدوات تحصيل الرزق والمعاش اليومي دون أن يتحسب لأفعاله وعواقبها كي يصل الى ما هو ليس له أو لِنَقُلْ الى ثمرة بعيدة عن مناطهِ، ولكنها مفيدة له كونها تشكلُّ درسًا أو تجربة حياتية تعينُهُ على فهم مجريات الحياة وقيمة أشيائها ومفاعيلها. وإنّ الخوارق التي وجدناها مشتغلة في فضاء النص الحكائي هي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت