كنا قد تناولنا في الفصل الأول المستوى السطحي في إطار دراستنا للمنهج المسمى بـ (علم الدلالة البنيوي) . حيث تناولنا فيه المكون السردي وعالجنا مستوى البنية النصية الخارجية وتعرفنا على مكونات هذه البنية، والتي يمثلها المكون العاملي، فضلًا عن العلاقات القائمة بين الوحدات العاملية وانتهاءً بالجانب الحركي الذي تمظهر من خلال مستويي الانجاز والكفاءة. واستكمالًا للجانب المنهجي يترتب علينا الآن أن ندرس المحور الثاني المهم والمتعلق بـ (المكوّن الدلالي) . الذي يرتبط مضمونيًا بالمستوى العميق، وشكليًا بالمستوى السطحي، ذلك المستوى الذي يصبح مولدًا له ونقطة انطلاق إلى العمق، حيث الدلالات والمعاني.
ولكي نستطيع أن نتعرف على هذا المكّون الدلالي فلا بُدَّ أن نُدركَ أولًا أنه يندرج ضمن علم الدلالة أو ما يطلق عليه بـ (العلامية) ، ذلك العلم الذي يهتم"بجميع المجالات الدالة ليشمل إضافة إلى النتاج الأدبي الأساطير والنظام الاجتماعي وما يرتبط به من مظاهر القرابة والصلات الاجتماعية والعلامات الثقافية العامة" [1] . واذا ما اردنا ان نحدد علم الدلالة بشكل دقيق فلا بد من ادراج وجهة نظر (هينو) حيث يرى هذا، أن علم الدلالة من حيث هو مشروع يرمي إلى"تأسيس وعي بنيوي للاستقراء الدلالي ويعني ذلك وصف القواعد العامة لإنتاج المعنى الانساني وصفًا دقيقًا" [2] . والذي يمكن أن يفهم من هذا التحديد أنه يركز على أن علم الدلالة يؤكد على الدراسة العلمية للمعنى، وذلك من خلال تتبع مجالات المعنى عبر تعالقاتها النصية وحركتها من أجل إعادة بناءها وفق نظام مخصوص. وإن آليات التأسيس كما يحددها غريماس تقوم على مبدئين رئيسيين هما:"أولًا: الاستقراء الذي يرمي إلى الاحاطة بالواقع الموصوف (والمقصود المادة المدروسة) فتكون القواعد المستخرجة على جانب من الشمول بحيث تنطبق على القسم الأوفر من هذا الواقع. ثانيًا: التحليل الذي يقتضي الوفاء للمثال النموذجي المنسحب على مكونات المدونة. هذا الضرب من التصور الوصفي القائم على محاولة التوفيق بين الجزئي والعام يولد الشعور بالإحباط لولا أنه حظ الوصف العلمي المشترك وقدره" [3] .
(1) في الخطاب السردي نظرية غريماس: محمد الناصر العجيمي، هامش ص / 2.
(2) المصدر نفسه: 23.
(3) في الخطاب السردي: 29.