تعرضنا فيما سبق إلى التعريف بعلم الدلالة من جهة إنه يمثل دراسة للمعنى، أو إنه يمثل دراسة للضوابط أو للمعايير المتوفرة في الإشارة اللغوية عندما تكون حاملا للمعنى وان دراسة المعنى من وجهة نظر علم الدلالة البنيوي يجب أن تشمل دراسة تركيبات المعنى ابتداءً من الوحدات الكبيرة وانتهاءً بالنويات الدلالية الصغرى حيث يتم التركيز على الوحدات الدلالية"الأكثر شمولية وهي المتركبة من وحدات على مستوى الكلمة فنعني بها تلك العبارات التي لا يفهم معناها الكلي بمجرد فهم معاني مفرداتها وضمّ هذه المعاني بعضها إلى بعض" [1] . وإن مسألة التعالق الدلالي بين هذه الوحدات تفسرها عملية الإيحاء التي هي"التعالق الثابت بدلالة مشتقة وهي ثانوية بالنسبة للدلالة الأساس" [2] . وبما أن"الدلالة مصدرها مفهوميات" [3] . فانّ الوحدات التابعة لها تكون هي الأخرى مفهوماتية أو لنقل بأنّها افتراضية يمكن رصفها وإعادة إنتاجها ضمن بناء كليٍّ. وهذه المسألة الخاصة بالتصنيف النوعي للوحدات الدلالية لم تكن متفردة في إطار طرح إشكاليات التصنيف، فقد اختلف الباحثون حول طريقة تصنيف الحكاية نفسها، ومنهم من سمّاها بالوحدات"التي تتألف منها الحكاية، ومنهم من بدأ بالموضوعات الصغيرة Motives ثم تطور إلى الفكرة theme ثم إلى الأحدوثة episode ومنهم من بدأ بالعنصر element ثم الحدث incident الذي يتكون من مجموعة من العناصر. ومنهم من بدأ بالاحدوثة على أساس أنها مرادف للعنصر، ثم تطور إلى الحدث الكبير، ومنهم من رأى أن الحدث الكبير والحدث الصغير شيءٌ واحد، على أساس أن كلًا منهما يحتوي على مجموعة من العناصر ترتبط بحركة الحكاية" [4] .
وقد أفضت هذه التصورات الخاصة بالتصنيف الاجناسي إلى ظهور الدراسة المنهجية الخاصة بالمثل الوظائفي الذي اشتغل عليه (بروب) ومن جاء بعده، حيث تم تقسيم الحكاية إلى وظائف تمثل الوظيفة فيها الفعل الذي تقوم به الشخصية، أما المكوّن الدلالي فستكون غايته دراسة دلالة هذا الفعل. حيث يتناول"المكوّن الدلالي القضايا المتعلقة بالدلالة فيدرس دلالة العناصر اللغوية. ويلجأ إلى قواعد إسقاط تربط بين الكلمات وبين البُنى التركيبية، وقد سميت بقواعد إسقاط لأنها تسقط المعنى على بنية معينة. ويحتوي أيضًا على تمثيل المؤلفات الدلالية"
(1) علم الدلالة: أحمد مختار عمر، 33.
(2) الأدب والدلالة: تزفيتان تودوروف، 25.
(3) هندسة المعنى - في السرد الاسطوري الملحمي: قاسم المقداد، 54.
(4) قصصنا الشعبي من الرومانسية إلى الواقعية: نبيلة إبراهيم، 12.