الصفحة 40 من 164

ان الموضوع الذي سنطرحه في هذا الفصل خاص بنظرية (الأنموذج العاملي) التي قدّمها (غريماس) مشروعا متطوّرا حاول ان يمازج من خلاله ما بين السردية البنيوية وما بين السيميائيات السردية. أو بعبارة أخرى حاول ان يستفيد من المستوى الوصفي والوظيفي في الوقت ذاته، ولا يعني هذا أنه سوف ينعزل في اطار مشروعه هذا في حقل اللسانيات

البنيوية، وانما يفيد من الدراسات الميثولوجية التي سبقته، وبخاصة تلك المشروعات

التي قدمها كل من (بروب) و (شتراوس) فهو يسعى كما سعى غيره إلى تأسيس ما يسمى به (علم السرد) أو (نحو السرد) أو كما صاغه (بريموند) حديثا وسماه بـ (علاميات السرد) .

ويمكن تعريف هذا النوع من الدراسة الخاصة بعلم السرد بأنها تمثل انموذجا تكون القاعدة المنطقية فيه ضرورية، اذ تساعد هذه على"البناء وتضمن صلاحيته لكل نوع من السرد" [1] .

ثم نجد أن مشروع غريماس مزج في اطاره العملي ما بين العلاقات الركنية أو الخطية التي اعتمدها بروب، ثم انه لم يكتف بها، بل عمد إلى الاستفادة من العلاقات الاستبدالية التي وظفها او أشار اليها (شتراوس) في تحليله للأساطير، ذلك ان تبادل الأدوار الحاصل بين الفواعل السردية يفرض عليه هذا النوع من الاستخدام، واذا ما تم تحديد مجال الاستفادة من لدن (غريماس) في اطار مشروعه العاملي، فلاشك انه استفاد كثيرا من المفهوم الذي تطرحه اللسانيات عن العوامل، إذ تعد هذه العوامل مكوّنات أساسية في المنظومة السردية، فضلًا عن انها المحركة والمنتجة للمعنى في اطار عملها داخل المدونة السردية.

وانطلاقا من هذا التصور فان غريماس لا يرى ان هناك تعارضا بين التحليل الوظيفي والتحليل الوصفي، بل ان يوجد تكامل أساسي بينهما، غير ان المشكل القائم بين أسلوبي التحليل يُطرح عندما"يكون لدينا عوامل مقلّدة سلفا لبعض المضامين، ان الأمر يتطلب عندئذ محاولة القيام بتحليل للعالم الصغير الذي توجد بداخله تلك العوامل (يقصد هنا العالم القصصي المفرد) أو تمارس فيه أفعاله" [2] .

وفي كلا الحالين، فان موضوع أسلوبي التحليل آنفي الذكر هو (السرد) أو بعبارة أخرى، كيف يتم ضبط المنطق السردي، وما هي المحددات اللسانية له، وكيف يمكن انتاج المعنى من خلال الترابط البنيوي بين هذه الوحدات؟ وهذا بدوره يفرض على المحلل ان تتوافر فيه قدرتان، الأولى: القدرة على الاستنباط، والثانية: تكوين صيغة عامة كلّية عن الانموذج الذي يعمل به، وذلك للوصول إلى نظام أو منطق عام يؤسس القواعد التي ينضبط من خلالها السرد

(1) في البنيوية والألسنية: د. و. فوكيما، مجلة الاقلام، العدد (9) ، 1983، ص80.

(2) بنية النص السردي - من منظور النقد الأدبي: حميد لحمداني، ص32.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت