لم تأخذ الحكاية الشعبية بشكل عام اهتمامها الذي تستحق من قبل الدارسين، ذلك أنها هُمِشَتْ أو تم تهميشها ووسمها بأنها تمثل أدبًا شعبيًا لا يستحق الاهتمام. بل أن هناك اعتقادًا سائدًا وهو أن البحث في الأدب الشعبي أمر سهل وقريب المنال، يمكن الخوض فيه دون عناء بل أدنى اصطدام بأيّ تعقيد. ومبعث هذا الاعتقاد في الغالب، تصور شائع، أو فكرة جاهزة حول هذا الأدب، توحي بها (بساطة) النصوص الأدبية الشعبية وهي في غالبتها العظمى نصوص شفوية متداولة، سواء أكانت حكايات أم أمثالًا ... أو حتى أغانٍ أصابها الابتذال، ولكن الخائضين في الميدان يعرفون ما يتوارى خلف هذه البساطة الخادعة.
ومنذ فترة قليلة من الزمن انتهج كثير من الباحثين مناهج حديثة لدراسة موضوعات قديمة أو حديثة، وهذه المسألة لم تكن اعتباطية، وإنما جاءت استجابة لمطالب ورغبات فرضها الواقع المعاصر، ولأن هذه المناهج أثبتت كفاءتها في دراسة الموضوعات، سواء على مستوى التنظير أو التطبيق. فلا عجب أن يكون اختيارنا لدراسة الحكايات الشعبية الموصلية متموضعًا في هذا النهج، على الرغم مما واجهناه من مصاعب جَمّةٍ في تلقي هذه العلوم الحديثة ومحاولة استكشاف أهم ما فيها. وأن ما نريد الاشارة اليه هو أن الحكاية الشعبية لم تدرس في ضوء المناهج الحديثة عند الدارسين العرب، خلا بعض الدراسات التي ظهرت بشكل متواضع درست الحكاية الشعبية على المستويين التاريخي والاجتماعي. أما الدراسات الغربية فنجدها قد اهتمت بدراسة الأدب الشعبي، ولا سيما الحكاية الشعبية التي تخص كل أمةٍ من الأمم، منذ تم تدشين (الشعريات السردية) التي تدرس الأدب الشفاهي والمكتوب على حَدٍّ سواء. ولا نكاد نجد على حَدِّ علمنا في العراق دراسة درست موضوع الحكاية الشعبية على هذا النحو - نعني به الجانب المنهجي الأكاديمي - باستثناء بعض الإشارات واللمحات التي لا تنتهج منهجًا محددًا بشكل متكامل.
لهذا كله كانت رغبتنا صميمة ومعمقة لدراسة هذا النوع من السرديات الشفاهية، وبخاصة في مدينة الموصل التي تمثل موطن الباحث الذي لا بُدَّ أن يكون على مساس من مجريات الأمور فيها، سواء في الجانب التاريخي أو الثقافي أو الديني أو الاجتماعي أو السياسي.
والحقيقة أنها لم تكن رغبتنا فقط؛ بل كانت هناك تشجيعات كثيرة من أناس كان يدفعهم الحافز ذاته والمتمثل في تقديم خدمة متواضعة لهذه المدينة التاريخية الكبيرة، وبخاصة رغبة الاستاذ المشرف منذ أمدٍ بعيد.
وانطلاقًا من هذه الطموحات والرغبات عقدنا النية وبدأ مشوار العمل فانصب الاهتمام على اختيار منهج حديث يتلاءم مع قيمة هذه الحكايات وأهميتها، وكان المنهج متمثلًا بـ