درسنا في المبحث السابق الدلالة بوصفها تمثل إحالة على المكونين الصوريين الحركي والسكوني، وذكرنا أيضًا ان ثمة فرق بين الدلالة والمعنى، انطلاقًا من مسلمة مفادها"ان الدلالة تعني إما (إنتاج المعنى) أو (المعنى الذي حصل) إننا نحصل انطلاقًا من تحديد أولي لهذه المفردة على مدلول مفاده أن الدلالة هي عكس المعنى. فالمعنى هو ما سبق كل نشاط علاماتي ينتج الدلالة. وبهذا تصبح الدلالة المعنى المتمفصل عبر علاقات متراكبة" [1] . وهذا يؤدي إلى أن تتمفصل العلاقات عبر تراكبها النصي في إطار الانشطار الحاصل بين المعنى/الدلالة، ونستطيع أن نفهم المسألة بشكل آخر، من جهة أن المعنى يماثل المقصدية ومن ثم المصداقية، حيث يتحولان تدريجيا الى علامات نصية، وهذه العلامات تندرج في سياق تركيبي تكون قد أنتجت دلالتها، فالمعنى سابق والدلالة لاحقة، وهذا هو منطلقنا الاساس في التحليل والتنظير، وهو ذات التصور الذي سار عليه (غريماس) انطلاقا من فرضية (هلمسليف) الخاصة بالمادة والشكل. واذا كان المستوى الدلالي متعلقا بالعملية التي يتم بمقتضاها تحويل القيم من إطارها الضمني إلى إطارها المحسوس، فان المعنى هو هذه القيم ذاتها.
قلنا سابقا ان المعنى يتأسس على مقولتين الاولى هي (المقصدية) والثانية هي (المصداقية) . وسنحاول إماطة اللثام عنهما كي تكون المسالة واضحة بشكل دقيق، فالمقصدية تتمثل في"الغاية او الهدف الذي يبغي المؤلف من ورائه انتاج معنى معين في النص، انه مرادف للنية التي تتوارى بفعل قوانين النص، وتسمى ايضا (الغائية) أي العلة او الغاية من تكوين النصوص" [2] . وضمن هذا التحديد يجب التركيز على ثلاثة عناصر أساسية متعلقة بهذه المقولة:-
-الأول: المُخاطِب.
-الثاني: المُخاطَب.
-الثالث: هو المقاصد او مقتضيات الأحوال.
ومن الضروري ان ندرك ان (المقصدية) أو (القصد) لا يتعلق فقط بـ (المُخاطِب) ، وإنما يتعلق أيضًا بـ (المُخاطَب) ، ذلك أن الأول عندما يحرر نصه انطلاقًا من قصد مسبق فإنه يضع قصد القارئ في الحسبان أيضًا. ومن خلال قصدهما المشترك يتشكل قصد
(1) مدخل إلى نظرية السرد عند غريماس: عبد العزيز بن عرفة، الفكر العربي المعاصر، بيروت، العددان (44 - 45) 1987، 32.
(2) المفارقة الروائية - الرواية العربية نموذجًا: صالح محمد عبد الله، اطروحة دكتوراه، كلية التربية - جامعة الموصل / 2001، 204.