المبحث الثاني
حركية الأنموذج العاملي
في المبحث السابق درسنا (الأنموذج العاملي) في اطاره الثابت، بمعنى أننا قمنا برصد الوحدات العاملية وهي في حالتها القارّة مكتفين بالجانب الوصفي للبنى الحكائية بوصفها نظاما سرديا تأسس من خلال وحدات تابعة ومتعالقة. وفي اطار هذا المبحث سنتعرف على (الأنموذج العاملي) في اطار حركية الوحدات المؤسسة له، حيث ان السرد الذي تشتغل من خلاله هذه الوحدات يقوم في أساسه على التحول والانتقال من طور إلى طور مما يؤدي بداهة إلى تحويل للمنظومة العاملية، اذ تتبادل المسندات الأدوار فيما بينها تبعا لتغيّر المسارات السردية، تلك التي بتغيّرها تحدث انشراخا في العلاقات القائمة بين الفواعل السردية.
ان مفهوم (الحركية) مفهوم متطور عند (غريماس) ، اذ انتقل من طوره البنيوي إلى طوره السيميائي، وتم ربطه بالصور والعلاقات الكونية والطبيعية، ومن ثم تم ادخاله في مكونات العالم الطبيعي في مجمل أطره الاشارية والعلاقاتية المكتوب منها والشفوي، المرئي وغير المرئي، والانساني والحيواني، فضلًا عن ربطه بالحركة الميكانيكية.
ما يهمنا أساسا في هذا المبحث هو التركيز على الحركة الخطابية، أو بالمعنى الحصري للحركة السردية الخاصة بحركية اللفظ والملفوظ، والتي تدرس في اطار عمليات الاتصال الحركي بين الفواعل السردية. وانطلاقا مما ذكر سابقا نستطيع ان نطرح أنموذجا لعمليات الاتصال الحركي كما طرحها (غريماس) الذي حدّد نموذجين من الحركية [1] :
1.حركية الاتصال المباشر: وهذه الحركية تدرس الحركية الاسنادية الخاصة بالتفريق بين ذات اللفظ وذات الملفوظ، وكذلك الخاصة بالتحديد الأولي لشكل التعبير الذي يعمل بوصفه إسنادًا إلى شكل آخر هو شكل المضمون. ويدرس أيضًا في اطار هذه الحركية، الحركية الصيغية، أي تحديد نوعية الاتصال لغويا كان أم غير لغوي، فضلًا عن تحديد الترابط بين المقولات (متقارب / مقابل / متباعد) وكذلك تعيين وضع الملفوظة أي مجموع أشكال الحكم القابلة للاصدار حول ملفوظة ما، مثل (قبول مقابل رفض / يقين مقابل شك / ذهول مقابل خديعة) وهذه جميعا يؤخذ بالاعتبار ظهورها على المستوى النحوي للسيميائيات اللغوية، وتنضاف اليها أيضًا ثنائية حركات المصاحبة مقابل حركات
الابدال، كما تم طرحها من قبل (كريسويل) .
(1) شروط سيمياء العالم الطبيعي: أ. ج. غريماس، مجلة العرب والفكر العالمي، العدد (8) 1989، ص90 وما بعدها.