وآليات إنتاج المعنى قد ساهمت في تحجيم الفعل والفاعل، بحيث يبقى الشيء الوحيد الذي يكون مجالًا للتأثير هو الدلالة أما الأمور الأخرى المتعلقة بعمليات التشخيص أو توظيف الحيوان كي يؤدي الى المستوى التعبيري والمضموني فعل الانسان فهي أمور يمكن استنتاجها انطلاقًا من فهمنا لعملية التوظيف الشكلي الخاص بالجنس النوعي للأدب. ونلاحظ كذلك مسألة أخرى هي أن الفاعل الأساس (العصفور / الحيوان) يتعامل مع فواعل فرعية (العجوز / الراعي / أهل القرية / الرجل) وهي ذات صفة إنسانية وكون الفاعل الأساس يناظر هذه الفواعل الفرعية ويختزل أفعالها ويتجاوزها بشكل تراتبي فإنّ هذا يعطي امتيازًا نوعيًا للفاعل الأساس كونه يمثل (معنمًا) أو (سيميمًا) دلاليًا مركزًا، فهو بمثابة النواة الدلالية لعملية إنتاج المعنى انطلاقًا من علاقاته التراتبية والاستبدالية وصولًا إلى قواعد المعنى التي وظفها للوصول إلى غايته وسواء أكانت هذه القواعد مادية (كالاقتران والشرط والتناظر والتعاكس) أم كانت معنوية عندما التبس فعله بأفعال لا تنسجم مع قدرته، فهو أحيانًا يقدم لنا معنى (التضاد والتعاكس) وإن كان ضعيفًا وصغيرًا، لكنه لا يمتلك غُنيمات، في حين أن (أهل القرية) يمتلكون القطط والكلاب وهذه مفارقة درامية، حيث يغدو الضعيف متمكنًا ولكن من دون دراية، والقوي مفتقرًا للأشياء على الرغم من درايته وقدرته. ويقدم لنا أحيانًا أخرى معنى (التناظر) والتجاوز في آن كي يكتمل سيرهُ نحو الغاية؛ إذ أنه لابُدَ أن يكون مكافئًا لمكوناته الفرعية ومتجاوزًا لها.
-حكاية الأشباح الثلاثة (الأبيض، الأسود، الأحمر) : [1]
إذا كنا قد حللنا الحكاية السابقة بحسب التحليل المرتكز على الشخوص والمكونات الفرعية الرئيسية ومن ثم الدلالة الكلية، فإن تحليلنا لهذه الحكاية سوف يتمركز على المكونات المفهومية التصورية. بعد أن نقدم استقراءً لبعض الوحدات النصية التي نتصور أنها تشكل معالم بارزة في المحتوى الحكائي. فالحكاية التي بين أيدينا تتألف من الوحدات النصية الآتية:-
1 -الاجتماع: الذي يمكن وصفه بأنه يمثل محطة التقاء لعدة مكونات تتمثل بـ الأب الصالح المشهور ذو المكانة بين أهله وعشيرته وأولاده الثلاثة (عمر، زيد، محمد) وقد مارس هذا الأب وظيفة تربوية وعظيّة الغاية منها توفير الحماية له ولأولاده، وهي تمثل أيضًا وظيفة إنقاذية في حالات اشتداد المصائب وتوالي الأحداث الجسيمة بعد وفاته. يقول الراوي:"رباهم على الطاعة والولاء ومخافة الله وجعلهم يحذقون فنون الحرب والنزال" [2] ، وهذا التأكيد على هذا النوع من
(1) حكايات الموصل الشعبية، ص 102.
(2) حكايات الموصل الشعبية: 102.