الثالث: يسابق فيها الابن الأصغر ابنة قاضي القضاة.
وما من شك ان هذه الاختبارات الثلاثة جاءت لتؤكد مسألة الربط العلائقي بين الوحدات السابقة، ذلك ان الابن الأصغر عندما فاز بابنة الملك استعان بالحصان الأبيض وهو يماثل (الشبح الأبيض) . وعندما فاز بابنة الوزير استعان بالحصان الأسود وهو يمثل (الشبح الأسود) . وعندما فاز بابنة قاضي القضاة استعان بالحصان الاحمر وهو يماثل (الشبح الأحمر) .
وهنا سنحتاج إلى مبدأ (الاسقاط) كي نسقط المدلولات السابقة الخاصة بالوحدة الرابعة على هذه الوحدة، فيلتبس الملك بمدلول الشبح الأبيض والوزير بمدلول الشبح الأسود وقاضي القضاة بمدلول الشبح الحمر. بمعنى آخر (الملك) يمثل مجال القدرة والفاعلية، والوزير يمثل مجال القدرة والتزيين، وقاضي القضاة يمثل مجال التنكيل بالضحية استجابة لرغبة الملك. ولو وفق الابن الأصغر بالاختبارات الثلاثة، فان ذلك سيتيح له القدرة على توزيع جوائزه فتكون ابنة الملك له وابنة الوزير لأخيه الأكبر وابنة قاضي القضاة لأخيه الأوسط. وهذه النقطة الأخيرة ما كانت لتكون لولا افصاح الابن الأصغر عما جرى في المواجهة مع الأشباح الثلاثة لأخويه اللذين ما ان علما حتى أقرا له بالولاية والقدرة والفاعلية فاصبح هو متحكما في رغباتهما وموجها لأفعالهما. وهذا ما يشير اليه الراوي بقوله:
"وعندئذ كشف لهما أخوهما الأمر وأراهما الحصان الأبيض والأسود والأحمر، فاهويا على عنقه يقبلانه فرحين، أما هو فاصطحبهما وذهبوا جميعا إلى ابنة الملك حيث تزوجها هو، ثم إلى ابنة الوزير حيث زوجها أخاه الأكبر ثم إلى ابنة قاضي القضاة حيث زوجها لأخيه الأوسط" [1] .
ان هذه المعاينة الدلالية للوحدات النصية ابتداء من الوحدات الزمنية المتمثلة بهيمنة فضاء الظلمة حيث تنجز كافة أفعال الفاعلين في (المساء) أو بالوحدات اللونية المتمثلة بالألوان (الأبيض، الأسود، الأحمر) أو حتى في الوحدات الفاعلة في المسار السردي بوصفها مكونات مفهومية كالاجتماع والوصية والمواجهة والسباق والمعارضة والزواج في النهاية.
ان هذه الوحدات جميعا أسست لمبدأ القوة والحياة وتأسست ايضا على مبدأ الحيوية والتفاعل والتواصل بين مكوناتها، لكننا سنجابه في النهاية بجملة لسانية تكون بمثابة (انقلاب دلالي) وهي:
"وعاشوا كلهم في راحة وهناء إلى ان أتاهم هادم الملذات ومفرق الجماعات" [2] . إذ انها تفضي إلى الفناء والزوال، وهذا موقف تتبناه الحكايات على امتداد رقعتها بتركيزها على معنمين
(1) حكايات الموصل الشعبية: 105.
(2) حكايات الموصل الشعبية: 105.