العباجيّة واشترت خرجا ثم وضعت فيه البضائع العطارية وجاءت به إلى زوجها الملاّ قائلة: قوم، هذا العمل الذي جئتك به تربح من ورائه ما يكفي لمعيشتك" [1] ."
نلاحظ ان الزوجة في مقولها الأمري الأخير تصبح هي (المؤتي) في حين يبقى الملاّ (فاعلا) بعد ان كان (مؤتيا) في المقطوعة الأولى، وزوجته (فاعلا) . هذا (المؤتي) كان موضوعه اللهو واللعب، بمعنى آخر تحصيل المتع بالركون إلى الكسل والفراغ والتواكل، في حين كان موضوع الزوجة بوصفها (فاعلا) الخدمة وتوفير ما يديم رغبات زوجها.
في اطار المقطوعة الثالثة سنطالع قصة الملاّ مع حماره، اذ ان على الملاّ ان ينجز ما وعد به بعد ان وفرت له زوجته كل ما هو متاح للعمل بحسب قدرتها. فهل أنجز الملاّ ما وعد به؟ وكيف أنجزه؟
الحقيقة ان الملاّ فشل في عمله وكان سبب فشله منطقيا، لأنه خال من الخبرة، فهو لم يمارس عملا في حياته، لهذا نراه يلعب دور المغفل أو الأحمق الذي ينطق بالحكمة في نهاية الأمر. فماذا فعل الملاّ؟
حاول ان يسوق حماره ولكنه لم يتحرك، ففكر الملاّ في حيلة تجعل الحمار يتحرك وأخرج إبرة كبيرة وخز بها مؤخرة الحمار، فقفز هذا الأخير من شدة الألم ومضى يعدو راكضا بسرعة لا يستطيع الملاّ ادراكها، وحتى يوغل الملاّ في حمقه ويكون جديرا بهذا الوصف فكر في حيلة أخرى سائلا نفسه، كيف استطاع الحمار ان يركض هذا الركض؟ واذا هو فعل ذلك فمن المؤكد أني سأركض لو عملت بنفسي كما عملت به. وفعلا نفّذ الملاّ قراره ووخز نفسه، فأخذ هو الآخر يركض كالحمار ويستغيث، وزوجته التي اكتفت ها هنا بدور المراقب أو الملاحظ لم تتدخل اطلاقا لكي تفسح المجال للقارئ كي يتعرف على حمق زوجها، وكي توغل هي في السخرية منه، وبأنه لا يصلح لشيء، نجدها اكتفت بالقول ساخرة:
"ملاّ ... ملاّ ... ملاّ أش جالك" [2] فأطلق الأحمق حكمته التي بدر بها حمقه:
"وركي ملعونة بنت الملعون، لا تتكلمي حتى تتفهمي، لكن هسع الحقيني!!" [3]
في اطار هذه المقطوعة يمكن عدّ الحمار (مساعدا) بالنسبة للمرأة لأنه كشف لها عدم فائدة زوجها، ويمكن عدّه من جهة أخرى (عائقا / معارضا) بالنسبة للملاّ لأنه أوقف تجربة العمل التي أراد الملاّ تحقيقها كي يرضي زوجته، ونلاحظ أيضًا ان الزوجة قد انفصلت عن
(1) المصدر نفسه: ص115.
(2) حكايات الموصل الشعبية: ص117.
(3) المصدر نفسه والصفحة نفسها.