الا ان حدس هذا الأخير لم يكن موفقا، ذلك ان الأميرة قد أدركت (المؤامرة) ومن هنا كرست حياتها لكشف الحقيقة، ولن يتم التوصل إلى هذه الحقيقة ما لم تعاود الأميرة (اكتساب) التوأمين بعد (انتزاعهما) منها. فهي من هذه الجهة لها موضوعان:
الأول: استرجاع التوأمين لكشف الحقيقة.
الثاني: استرجاع الأمير الذي انفصلت عنه.
فكيف تم كشف الحقيقة؟ وهذا هو موضوع المقطوعتين السرديتين الرابعة والخامسة.
وقبل الولوج فيهما نودّ ان نخبر القارئ بما يأتي:
ان الفتاة المسكينة بعد ان شعرت بالمكيدة صبرت وفوضت أمرها إلى الله، وخرجت من القصر، حاملة معها بعض جواهرها، وذهبت إلى بلد يقع على ساحل بحر، واستأجرت لها دارا هناك تشرف على البحر، واتخذت لها خادما وخادمة، وأوكلت إلى رجل من التجار ان يشتغل بما تبقى لديها من المال، فدرّ عليها خيرا وخيرا، وكانت تقضي ساعاتها تحدق في صفحة ما وتراقب الصيادين، وهذا التأمل والمراقبة ساعداها في التوصل إلى المهاد الأول للحقيقة. اذ رأت صيادا وبجانبه ابن وبنت فخفق لهما قلبها، اذ تذكرت بهما ولديها، واستدعت الصياد وولديه وسألته عن مصدر ولديه، وبعد الحاح شديد منها انكشف المستور وبانت الحقيقة باعتراف الصياد، الذي ابتدرها قائلا:"انني لم أكن من الذين رزقوا ولدا، وفي ذات يوم منذ أربع سنوات مررت بطريقي على باب جامع فرأيت هذين الولدين ملفوفين بالقماط على باب عتبته. فتأملتهما فراقني وداعتهما وجمالهما، ولما كنت فقيرا فقد ترددت في أخذهما ثم قلت لنفسي: ان الذي جاء بهما إلى الحياة، هو الذي يكفل رزقهما، فعدت اليهما وأخذتهما وأخفيتهما تحت البشت [1] ، وسرت بهما إلى داري وقد وطنت النفس على ان أكون لهما خير أب، وأن أقيتهما ولو اضطررت إلى ان أقتطع من لحمي وها هما أمامك".
في هذه المقطوعة السردية أصبح الصياد (فاعلا) ولما كان هذا (الفاعل) مفتقرا إلى (موضوع) كانت عملية اقحامه لكشف الحقيقة مبررا، اذ وجد له موضوعا مناسبا وهو (رعاية الولدين) ولولا انه حافظ على وجودهما الفعلي لانتهت الحكاية على الشاكلة التي انتهت عليها. وهذا الصياد بوصفه (فاعلا) يمكنه ان يلعب دور (المساعد) في اطار المشروع السردي، لأنه ألغى المسافة بين الأميرة وولديها، وأصبحت عملية (الاتصال) ممكنة، بعد ان كادت ان تكون مستحيلة. لم يبق الا ان يأتي (الفاعل) الأساسي المتصل بموضوعه إلى النهاية، لكي يتعرف على الحقيقة، ليعاود الاتصال بموضوعه الأساسي ثانية، وهذه هي ثيمة المقطوعة السردية الخامسة والأخيرة. ولكي يتم التعرف هذا، فلابد ان يكون هناك تحويل انتقالي من مكان إلى
(1) البشت: بكسر الباء وتسكين الشين، رداء غليظ أقصر من المعطف يرتديه الحمالون وغيرهم.