فمن ثبت على طريق الجهاد واستمر بأداء هذه الشعيرة وأصبح من أهل هذه الآية ألا يعدُّ ذلك نصرًا له؟ بلى والله،فكم رأينا من جاهد وانتصر في الميدان ولكن مبادئه هزمت وقناعاته تغيرت وخدم شهوته ودنياه بما تحصل له من طريق الجهاد،وكم رأينا آخرين لم يصبهم من الشدة والشقاء ما أصاب غيرهم ممن لا يزال ثابتًا يجاهد،وهم لم يهزموا في الميدان ولكن الدنيا هزمت مبادئهم وهزمت قناعتهم،لفَّتهم تيارات فاسدة فأصبحوا لها خدمًا يخذلون ويعتذرون لهزيمة قناعتهم بآلاف الأعذار،أليست هذه هي الهزيمة والثبات على المبدأ هو النصر الحقيقي؟.
وهذا خبر الغلام في قصة أصحاب الأخدود حين عجز الملك عن قتله فقال له: إِنَّكَ لَسْتَ بِقَاتِلِي حَتَّى تَفْعَلَ مَا آمُرُكَ بِهِ،فَإِنْ أَنْتَ فَعَلْتَ مَا آمُرُكَ بِهِ قَتَلْتَنِي،وَإِلاَّ فَإِنَّكَ لاَ تَسْتَطِيعُ قَتْلِي،قَالَ:وَمَا هُوَ ؟ قَالَ:تَجْمَعُ النَّاسَ فِي صَعِيدٍ،ثُمَّ تَصْلُبُنِي عَلَى جِذْعٍ فَتَأْخُذُ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِي،ثُمَّ قُلْ:بِسْمِ اللهِ رَبِّ الْغُلاَمِ،فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ قَتَلْتَنِي،فَفَعَلَ وَوَضَعَ السَّهْمَ فِي كَبِدِ قَوْسِهِ ثُمَّ رَمَى فَقَالَ:بِسْمِ اللهِ رَبِّ الْغُلاَمِ،فَوَضَعَ السَّهْمَ فِي صُدْغِهِ فَوَضَعَ الْغُلاَمُ يَدَهُ عَلَى مَوْضِعِ السَّهْمِ وَمَاتَ فَقَالَ النَّاسُ:آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلاَمِ،فَقِيلَ لِلْمَلِكِ:أَرَأَيْتَ مَا كُنْتَ تَحْذَرُ ؟ فَقَدْ وَاللَّهِ نَزَلَ بِكَ،قَدْ آمَنَ النَّاسُ كُلُّهُمْ،فَأَمَرَ بِأَفْوَاهِ السِّكَكِ فَخُدِّدَتْ فِيهَا