يدعيه كل حاكم يحكم بشريعته وقانونه،وتمضي الشؤون وتقضى الأمور بإرادته وأمره - وهذه هي الربوبية بمعناها اللغوي والواقعي - كذلك لم يكن الناس في مصر يعبدون فرعون بمعنى تقديم الشعائر التعبدية له - فقد كانت لهم آلهتهم وكان لفرعون آلهته التي يعبدها كذلك،كما هو ظاهر من قول الملأ له: «ويذرك وآلهتك» وكما يثبت المعروف من تاريخ مصر الفرعونية. إنما هم كانوا يعبدونه بمعنى أنهم خاضعون لما يريده بهم،لا يعصون له أمرا،ولا ينقضون له شرعا .. وهذا هو المعنى اللغوي والواقعي والاصطلاحي للعبادة .. فأيما ناس تلقوا التشريع من بشر وأطاعوه فقد عبدوه،وذلك هو تفسير رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - لقوله تعالى عن اليهود والنصارى: «اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْبابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ ... الآية» عند ما سمعها منه عدي بن حاتم - وكان نصرانيا جاء ليسلم - فقال:يا رسول اللّه ما عبدوهم. فقال له رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم -: «بلى إنهم أحلوا لهم الحرام وحرموا عليهم الحلال فاتبعوهم،فذلك عبادتهم إياهم» ... (أخرجه الترمذي) .
أما قول فرعون لقومه: «ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي» .. فيفسره قوله الذي حكاه القرآن عنه:«أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي،أَفَلا تُبْصِرُونَ؟ أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ.