فهرس الكتاب

الصفحة 69 من 160

وَهُمْ بُخَلاء شَحِيحُونَ،لا يَمُدُّونَ المُؤْمِنِينَ بِالنَّفَقَةِ وَالمَالِ،وَلا يُقَدِّمُونَ لَهُمُ العَوْنَ والنُّصْرَةَ بالنَّفْسِ.فَإِذا بَدَأَتِ الحَرْبُ،والتَحَمَ المُقَاتِلُونَ رَأَيْتَهُمْ وَقَدِ اعْتَراهُم الخَوْفُ والهَلَعُ يَنْظُرُونَ إِليكَ يَا مُحَمَّدُ وَأَعْيُنُهُمْ تَدُورَ خَوْفًا وَفَرقًا،كَدَوَرانِ عَيْنِ الذِي غَشِيَهُ المَوْتُ،وَقَرُبَ مِنْهُ،فَتَجْمدُ عَيْنُهُ وَلا تَطْرِفُ .

أَمَّا إِذَا ذَهَبَ الخَوْفُ وَأَسْبَابُهُ،وَعَادَ الأَمْنُ إِلى النُّفُوسِ،فَإِنَّهُمْ يَرْفَعُونَ أَصْواتَهُمْ،وَيَتَكَلَّمُونَ عَنِ النَّجْدَةِ والشَّهَامَةِ،والبُطُولاتِ التي أَظْهَرُوها في مَيدَانِ المَعْرَكَةِ،وَهُمْ في هذا كَاذِبُونَ.وَإِذا ظَهَرَ المُؤْمِنُونَ في الحَرْبِ فهُمْ بُخَلاَءُ حَرِيصُونَ عَلَى أَلاَّ يَفُوتَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ المَغَانِمِ،فَهُمْ حِينَ البَأسِ جُبَنَاءُ،وَحِينَ الغَنِيمَةِ أَشِحَّاءٌ ( وَقيلَ بَلِ المَعْنَى هُو:فَإِذا ذَهَبَ الخَوْفُ بَالُوا في شَتْمِكُمْ وَذَمِّكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ مَشْحُوذَةٍ قَاطِعَةٍ ) .

وَهؤُلاءِ،الذِينَ بَسَطَ اللهُ تَعَالى أَوْصَافَهُمْ،لَمْ يُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ إِيمَانًا صَادِقًا،وَلَمْ يُخْلِصُوا العَمَلَ لأَنَّهُمْ أهْلُ نِفَاقٍ فَأَهْلَكَ اللهُ أَعْمَالَهُمْ،وَأَبْطَلَها،وَأَذْهَبَ ثَوَابَها وأُجُورَها،وَجَعَلَهَا هَبَاءً مَنْثُورًا،وَكَانَ إِحْبَاطُ أَعْمَالِهِمْ أَمرًا يَسِيرًا عَلَى اللهِ .

وَهُمْ مِنْ شِدَّةِ دَهْشَتِهِمْ،وَضَعْفِ إِيمَانِهِمْ لاَ يَزَالُونَ يَظُنُّونَ أَنَّ الأَحزابَ مِنْ قُرَيشٍ وغَطْفَانَ..لَمْ يَرْحَلُوا عنِ المَدِينةِ،وَقَدْ هَزَمَهُمُ اللهُ وَرَحَلُوا.وإِذا عَاد الأَحْزَابُ مَرَّةً أُخْرى لِقتَالِ المُسْلِمِينَ فِي المَدينةِ وَحِصَارِها،تَمَنُّوا لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا مُقِيمِينَ فِي البَادِيةِ بينَ الأعرابِ بَعِيدًا عن المَدينةِ،حَتَّى لا يَلْحَقَ بِهِمْ مَكْرُوهٌ،وَيَكْتَفُونَ بالسُّؤَالِ عنْ أًَخْبَارِكُمْ كُلَّ قَادِمٍ إِليهِمْ مِنْ جِهَةِ المَدينةِ.وَلَوْ أَنَّ هؤُلاءِ المُنَافِقِينَ كَانُوا بَيْنَكُمْ أَثْنَاءَ القِتَالِ لمَا قَاتَلُوا مَعَكُمْ إِلاَّ قِتَالًا يَسيرًا رِيَاءً وَخَوْفًا مِنَ المَعْرَكَةِ،لا قِتَالًا يَرْجُونَ بِهِ ثَوابَ اللهِ في الآخِرَةِ . [1]

وقال تعالى: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (23) لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (24) [الأحزاب:23،24]

لَمَّا ذَكَر اللهُ تَعَالى أَنَّ المُنَافِقينَ نَقَضٌوا العَهْدَ،وَصَفَ المُؤمنينَ بأَنَّهُمُ اسْتَمَرُّوا عَلى المُحَافَظَةِ عَلَى العَهْدِ وَالمِيثَاق،وَأَنَّ مِنْهُمْ رِجَالًا أَوْفُوا بِمَا عَاهَدُوا الله عَلَيهِ مِنَ الصَّبْرِ في الشِّدَّةِ

(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد - (1 / 3423)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت