وتَابَعَ المستشرقين في هذه الخطة، عن جهل أو عمد أو غفلةٍ وسوء فهم لدلالة هذه الأوصاف، بعضُ الكتاب المسلمين في العصر الحديث، فكتبوا عن عبقرية الرسول صلى الله عليه و سلم ، تماما كما كتبوا عن عبقرية أبي بكر الصديق، وعبقرية عمر بن الخطاب، وعبقريات أخرى. وهذا حيف كبير في حق نبي اللَّه ورسوله.
إن النبي صلى الله عليه و سلم فوق أي عبقري، وأجلُّ من أي زعيم وأعظم من أي مصلح، لقد جمع من صفات هؤلاء خيرها وأفضلها وأعدلها، ولكنه فوقهم جميعًا، إنه نبيٌّ يوحى إليه، ورسول يبلغ عن ربه، وهذا ما لا يدرك ولا ينال، لا بالعبقرية ولا بالفكر ولا بالإلهام، هناك فرق كبير بين العبقري المصلح، وبين النبي المرسل.
ولقد سبق كتَّابنا المعاصرين إلى إدراك هذا الفرق، العباس عم النبي صلى الله عليه و سلم ، رضي اللَّه عنه. ذلك أنه لما أسلم أبو سفيان بن حرب ليلة فتح مكة، وكان العباس قد سبقه إلى الإسلام، قال النبي صلى الله عليه و سلم للعباس: خذ أبا سفيان وقف به عند خطم الجبل، وذلك ليرى جيش الفتح، فمرت به كتائب اللَّه، وفيها الكتيبة الخضراء، كتيبة رسول اللَّه صلى الله عليه و سلم ، فلم يملك أبو سفيان نفسه أن قال:لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيمًا، فقال له العباس: إنها النبوة يا أبا سفيان. قال: نعم، واللَّه إنها النبوة.
والذين كتبوا عن حياة النبي صلى الله عليه و سلم وسيرته من غير المسلمين، لا يؤمنون بنبوته، فمن ثم كتبوا عنه بوصفه عظيمًا أو عبقريًا أو مصلحًا أو ملهمًا، ولا يجوز للكتاب المسلمين أن يجاروهم فيما وصفوا به النبي صلى الله عليه و سلم من الأوصاف والألقاب التي فيها إخلال بمقام النبوة. وعليهم أن يقتدوا بالقرآن الكريم وبسيرة الصحابة وسلف الأمة الصالح.