فهرس الكتاب

الصفحة 112 من 122

الإسلام يسعى إلى إقرار التوازن بين هذين العنصرين: الدين والدنيا، المادة والروح في حياة الإنسان، يقول: إن كل شيء في الكون المادي خلق للإنسان، لمتاعه ولتلبية حاجاته، والإنسان خلق لله تعالى، وظيفته في الحياة تنفيذ إرادة خالقه وامتثال أمره، كما جاء في الحديث القدسي:"ابنَ آدم: خلقتك لنفسي، وخلقت كل شيء لك، فبحقي عليك لا يشغلنك ما خلقته لك عما خلقتك له".

وتعاليم الإسلام ترعى حاجات الإنسان الروحية والجسدية على حد سواء، وبتوجيهه إلى إيجاد علاقة مرضية بينه وبين خالقه تعينه كذلك على تحقيق تكامل وتعاون بين قواه الظاهرية والباطنية، وتدربه على سلوك يسود فيه الروح على المادة والدين على الدنيا، ويكون العنصر الديني هو الضابط الذي يضبط به كل أعماله وتصرفاته.

هذا هو الإنسان في التصوّر الإسلامي. أما المسيحية فتهتم بالجانب الروحي من الحياة، وتعلم نوعًا من الحب يضع على كل مسيحي عبئا ثقيلًا من المسؤولية، وهذا الحب المثالي لا يلبي أشواق الإنسان الروحية والنفسية، لأنه منافٍ للطبيعة البشرية، مناقض للعقل والإدراك السليم.

والذين اتهموا النبي صلى الله عليه و سلم بازدواج الشخصية كانوا ـ بقصد أو بغيره ـ متأثرين بالثقافة المشبعة بمبادئ المسيحية، ولذلك استقر في أذهانهم أن محمدًا صلى الله عليه و سلم رسول مثالي بنى دعوته على الدعوة إلى الإعراض عن الدنيا والانقطاع عن شؤون الحياة، وحمل النفس على الزهد في متاعها، والصبر على المكاره وتحمل الأذى، وتفويض كل شيء لإرادة اللَّه وقضائه في المرحلة المكية، وفي المرحلة المدنية انقلب إلى رجل عملي يؤسس جماعة ويعنى بشؤونها السياسية والعسكرية والاجتماعية، ويحارب أعداءه، ويخطط لمستقبل الأمة، ويعد القوة المادية لحمايتها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت