وهذه أفكار تحتاج إلى المناقشة لأنها تستند إلى الاعتقاد بأن القرآن من تأليف النبي صلى الله عليه و سلم ، صادر من ذاته متجاوب مع أحداث حياته، معبر عن تحولاتها، ونحن وإن كنا نوافق على كون القرآن يأتي في مقدمة مصادر السيرة، فإننا لا نوافق على أنه سجل تاريخي يقدم سردًا مفصلًا لحياة النبي صلى الله عليه و سلم ، وذلك لأن القرآن ليس كتابًا في التاريخ، بل هو كتاب هداية وتشريع، أنزله اللَّه لهداية الناس إلى ما يصلح حياتهم الفردية والاجتماعية، وإلى ما ينفعهم في معرفة الغاية من وجودهم، وفي إقامة نظام عادل يكفل لكل إنسان حياة كريمة ويحمي الجميع من الظلم والعدوان.
لذلك ينبغي أن لا نتوقع من القرآن الكريم أن يعرض الأحداث التاريخية بالتفصيل، ولا أن يقدم سردًا مفصلًا لوقائع السيرة النبوية. بل إن القرآن نفسه لم تدون آياته وسوره في المصحف طبقًا للترتيب الزمني لنزولها. ثم هناك صعوبة في معرفة أسباب نزول كثير من الآيات، إما لعدم ورود روايات في ذلك، وإما لتضارب الروايات الواردة.
ومن ثم كان من غير المناسب أن نعتبر القرآن كتابًا تاريخيًا، ولا سجلًا لحياة النبي صلى الله عليه و سلم . ولا مرآة لتطور شخصيته ومسيرته العملية، بالرغم مما تضمنه من الإشارات الخفية أو الواضحة إلى بعض الأحداث الواقعة في حياته صلى الله عليه و سلم .