ومن أجل إثبات هذا الرأي استغل الباحثان ما ذكر في كتب الحديث والسيرة عن اختلاء النبي صلى الله عليه و سلم للعبادة والتحنث. وهذا الاستغلال ضرب من تلبيس الحق بالباطل. لأن تحنثه صلى الله عليه و سلم وتعبده، وكذا تأمله وتفكيره أثناء اختلائه في غار حراء صحيح، لكن قول الباحثَيْن إن ذلك دليل على التدرج في البحث عن تعاليمه الدينية الإصلاحية، قول باطل. وأول ما يدل على بطلانه الواقع والتاريخ، فليس هناك أي دليل من واقع حياته صلى الله عليه و سلم قبل بعثته، يدل على أنه كان يبحث ويفكر في الإتيان بدين جديد أو بكتاب في التشريع أو على أنه كان يهيء نفسه لتلقي النبوة، فالنبوة لا تنال بالتمرين والاستعداد الشخصي، وإنما هي فضل من اللَّه يؤتيه من يشاء.
إنكار الوحي:
وغرض الباحثَيْن من فكرة التدرج هذه هي إنكار الوحي، وإنكار نبوة محمد صلى الله عليه و سلم . لأنها تؤدي إلى أنه صلى الله عليه و سلم لم يتلق الوحي من عند اللَّه، ولم ينزل عليه الملك بشيء. وهذا الوحي الذي أخبر به إنما هو إلهام كان يفيض من نفسه ووجدانه نتيجة التأمل والتفكير الطويل.
وقولهما إن الآيات التي تذكر أن نزول القرآن كان في وقت محدد: في ليلة مباركة، هي ليلة القدر، غامضة، ليس عليه دليل، فمعناها ومقصودها واضح، وزادته الأحاديث النبوية الصحيحة وضوحًا كما سنرى.
ويجب أن نوضح هنا أن ظاهرة الوحي معجزة خارقة لسنن الطبيعة، ولا صلة لها بالإلهام أو التأمل الباطني أو الاستعداد النفسي. إن الوحي كان يأتي من خارج الذات المحمدية، وموقفه صلى الله عليه و سلم هو موقف المتلقي الذي لم يكن له أي دخل لا في المعاني ولا في الصياغة.