إن ظاهرة الوحي ظلت تواجه المستشرقين والماديين فلم يسلموا بها، ولم يتمكنوا من إعطاء تفسير مادي أو نفسي لها، ومع ذلك فهم ماضون في تخبطهم وتهافتهم، ولا شك في أن التهرب من الاعتراف بالنبوة والوحي الإلهي، هو الذي حملهم على ذلك التخبط، فلم يستطيعوا طوال القرنين التاسع عشر والعشرين أن يستقروا فيها على رأي، وكل ما ذكروه عن تدرج النبي صلى الله عليه و سلم في مراحل طويلة من التأمل والتفكير قبل دعوته وبعثته، يدحضه ما دل عليه الحديث الصحيح الذي نص على أن الوحي نزل على النبي صلى الله عليه و سلم بصورة مفاجئة، وأنه صلى اللَّه عليه وسلم فزع فزعًا شديدًا، وهذا دليل على أنه لم يكن يتوقعه.
نعم يشير حديث الصحيحين البخاري ومسلم إلى أن أول مابدئ به صلى الله عليه و سلم الرؤيا الصادقة، ثم حبب إليه الخلاء والتحنث في غار حراء، وفي نهاية يوم الاثنين من شهر رمضان جاء جبريل بغتة لأول مرة، وفي رواية البخاري أنه صلى الله عليه و سلم ظل يتعبد ويتحنث حتى جاءه الحق وهو في غار حراء. قال ابن حجر."وفي التفسير، حتى فَجِئَهُ الحق، بكسر الجيم أي بغته."
شهادة عالم مسيحي:
لسنا بحاجة إلى الدخول في مناقشة منكري الوحي والنبوة من المستشرقين والماديين، ولكن أحب أن أقدم لهم شهادة عالم مسيحي منصف هو بشري زخارى ميخائيل، قدم فيها لأبناء ملته أدلة ساطعة على أن القرآن وحي من عند اللَّه، وذلك في كتابه:"محمد رسول اللَّه.. هكذا بشرت الأناجيل". ومن تلك الأدلة:
.1 أن القرآن يتضمن ما جاءت به الكتب السماوية المنزلة من قبل. وهذا الدليل هو الذي استدل به النجاشي ملك الحبشة حين قرأ عليه جعفر بن أبي طالب القرآن، فقال: واللَّه إن هذا الذي تقرؤه والذي أنزل على عيسى بن مريم ليخرجان من مشكاة واحدة، والاستدلال بالتشابه في الملامح الرئيسَة برهان علمي.