مثل هذا التحليل المادي الوضعي الذي يسقط من حسابه الدوافع الروحية، وابتغاء وجه اللَّه ومرضاته، والدار الآخرة، وما أعد اللَّه فيها من الثواب، لا يصلح لتفسير أعمال المؤمنين وسير الأنبياء، وعلى هذا فإن أهداف أهل المدينة من الموافقة على هجرة الرسول صلى الله عليه و سلم إلى المدينة المنورة، يصح أن تكون أهدافًا دينية ودنيوية معًا. ولعل الأوضاع السياسية التي كانت عليها المدينة في ذلك الوقت كانت سببًا هيأه اللَّه تعالى لإسلامهم، ولتمهيد الهجرة النبوية إليهم.
وقبل هذه الأسباب والدوافع كلها، هناك إرادة اللَّه تعالى وتدبيره الحكيم، ورعايته لرسوله الكريم، والمراد من هذا أن الهجرة النبوية، أولا وقبل كل شيء، كانت بإذن اللَّه تعالى، كما دل على ذلك الحديث النبوي الصحيح الذي رواه الشيخان البخاري ومسلم، وفيه أن النبي صلى الله عليه و سلم قال:"أُريت في المنام أني أهاجر من مكة إلى أرض بها نخل، فذهب وهلي إلى أنها اليمامة، فإذا هي المدينة (يثرب) ".
غير أن هذا السبب الغيبي المتعلق بإرادة اللَّه تعالى لا يتنافى مع وجود أسباب موضوعية ناشئة عن أحوال أهل المدينة الذين أنهكتهم الصراعات القبلية، وأقلقتهم التوقعات المسستقبلية.
وقد أوضح ابن إسحاق جانبًا من هذه الأسباب الموضوعية في كلام طويل هذا ملخصه: وكان من أسباب مسارعتهم إلى قبول دعوة الإسلام، أن يهودًا كانوا يساكنوهم في المدينة، وكانوا أهل كتاب وعلم، وكانوا هم أهل شرك وأصحاب أوثان، وكانت تقع بين اليهود والأوس والخزرج وقائع وحروب، وكانت الغلبة تكون للعرب، وكان اليهود يقولون لهم: إن نبيًا مبعوثًا قد أظل زمانه سنتبعه ونقتلكم معه قتل عاد وإرم. فلما كلم رسول اللَّه صلى الله عليه و سلم أولئك النفر ودعاهم إلى اللَّه، تساهموا وقال بعضهم لبعض: تعلمون واللَّه أنه النبي الذي توعدكم به يهود، فلا يسبقنكم إليه.