ثم إن نشأتهم وانتماءهم إلى محيط فكري مادي سيجعلان فهم الروحانية التي امتازت بها الحضارة الإسلامية والتاريخ الإسلامي صعبًا عليهم، لأن التفسير المادي والتاريخي وحده لا يصلح لتفسير أعمال المسلم وسلوكه، ولا لدراسة التاريخ الإسلامي وأحداثه. فمقصد المسلم من كل عمل ينجزه في حياته هو قبل كل شيء ابتغاء مرضاة اللَّه، ولذلك فنظرته للأشياء ومعاييره لتقدير قيمتها، تختلف جوهريًا عن نظرة الإنسان المادي ومعاييره { أَفَمَن كَانَ مُومِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا ؟ لاَ يَسْتَوُونَ} (1) .
{ أَمْ نَجْعَلُ الذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ، أَمْ نَجْعَلُ المُتَّقِينَ كَالفُجَّارِ } (1) .
مآخذ على منهج المستشرقين المحدثين:
كان المستشرقون القدماء يعلنون بصراحة عداوتهم للإسلام، ويمضون في قذفه بكل نقيصة، ورميه بكل مساءة، والتحامل عليه بالكذب والافتراء.
أما المحدثون منهم فقد غيروا أسلوبهم، وتخلوا عن الطعن المباشر، والعداوة المعلنة، وتظاهروا بالإنصاف والموضوعية، والخضوع لمقتضيات البحث العلمي، وقصدهم بذلك استهواء القارئ المسلم وكسب ثقته، فيعترفون بأخطاء أسلافهم، ويظهرون بعض محاسن الإسلام، ويدرجون في ثنايا الكلام ما يريدون من الدس والطعن.
والقارئ المسلم الحصيف يكشف تلك الدسائس التي تختفي وراء ستار التظاهر بالإنصاف والموضوعية، وقد بين بعض مفكري الإسلام المحدثين أن كتابات هؤلاء أشد خطرًا على الإسلام من كتابات أولئك الذين يكاشفون بالعداء ويشحنون كتبهم بالكذب والطعن والافتراء، لأنها تفلح بأسلوبها المراوغ، في التأثير على القارئ غير الحصيف، فلا يكاد ينتهي من قراءتها حتى يميل مع أفكارها. ولهذا رأينا من المفيد أن نعرض هنا بعض المآخذ التي يؤاخذ بها هؤلاء المستشرقون المحدثون في المنهج الذي كتبوا به عن الإسلام.
.1 التستر بالموضوعية: